Beirut weather 29 ° C
تاريخ النشر August 1, 2020 06:56
A A A
فيروس كورونا.. هكذا تغيرت شخصياتنا بسبب إجراءات الإغلاق
الكاتب: بي.بي.سي

لم يكن ما جرى خلال فترة الإغلاق الناجمة عن تفشي وباء كورونا واحدا بالنسبة للجميع. فلكل منّا تجربته في هذا الصدد. فالبعض اضطروا للحياة بمفردهم في عزلة كاملة لشهور متصلة، فيما أُرْغِمَ آخرون على الحياة لأسابيع مع شريك حياة، لم تعد تربطهم به أي عاطفة.
كما أن هناك من رأى في شهور العزلة، تجربة إيجابية وفرصة مُرحبا بها للإبطاء قليلا من إيقاع الحياة وممارسة أنشطة مثل المشي، أو لنيل قسط من الاسترخاء مع شخص يحبه، أو للاستمتاع بالوقت على أفضل وجه ممكن مع أطفاله.
وبغض النظر عن الشكل الذي اتخذته الحياة في فترة الإغلاق، فإن ثمة وجها لها يبدو أن البشر قد اشتركوا فيه جميعا، وهو أنها مثلت عرقلة مفاجئة للترتيبات المعتادة لمعيشتنا ولروتين حياتنا اليومية، على نحو لا يحدث عادة.
فهل سيترك هذا الوقت غير المألوف تأثيراته على شخصياتنا في العمق، لا على السطح فحسب؟ وهل نشعر الآن، ونحن نعود تدريجيا لممارسة حياتنا في عالم مختلف قليلا، بأن شخصياتنا تغيرت بعض الشيء؟ وإذا كان ذلك قد حدث؛ كيف ستتكيف شخصياتنا الجديدة مع الوضع الناجم عن استئناف التعامل مع الآخرين والسفر إلى الخارج مثلا؟
تقول روديكا داميان، الباحثة في مختبر النجاح وتطوير الشخصية بجامعة هيوستن الأميركية، إنها لا تعتقد أنه سيكون هناك تأثير عام على شخصيات البشر تُخلّفه فترة الإغلاق، أو بعبارة أخرى؛ “اتجاه غالب، يُظهره غالبية الناس” في هذا الصدد.
وتعزز بعض البيانات الأوليّة وجهة النظر هذه، مثل ما خَلُصت إليه دراسة لم تُنشر بعد، قادتها أنجلينا سوتين، خبيرة علم النفس في جامعة فلوريدا ستيَت، واستقصت من خلالها ما إذا كانت هناك مؤشرات تفيد بحدوث تغيرات في الشخصية، خلال المراحل المبكرة للغاية من تفشي الوباء في الولايات المتحدة، أم لا. فقد أظهرت الدراسة، أنه لم تبدُ على الإطلاق أي “تغيرات من مستوى متوسط”، على غالبية صفات أفراد العينة التي شملتها.
كما كشفت عن أن مستوى “العصابية”، وهي إحدى أهم خمس صفات شخصية في دراسات علم النفس، قد تراجع بشكل طفيف، لدى من لم يعيشوا في عزلة خلال الفترة التالية لتفشي الوباء، وذلك خلافا لتوقعات البعض في هذا الشأن.
فعلى سبيل المثال، ربما يكون الإغلاق قد أذكى بشكل كبير ظاهرة تعرف بـ “تأثير مايكل أنجلو”. وتتعلق هذه الظاهرة بالطريقة التي يُرجح أن تتطور بها شخصياتنا، لتصبح على الشاكلة التي نصبو لأن نكون عليها، حال انخراطنا في علاقة عاطفية، مع شريك يدعمنا ويشجعنا على أن نتصرف بالأسلوب الذي يتماشى مع طموحاتنا. ويمكن أن يشبه دور الشريك العاطفي هنا، ما يفعله النحات الذي يعمل بجد ودأب، لكي تظهر منحوتاته في أفضل صورة.
وفي هذا السياق، تشير الباحثة بليدورن إلى أن فترة الإغلاق ربما تكون قد أتاحت الفرصة لمن هم منخرطون في علاقات عاطفية، للاقتراب بشكل أكبر من شركائهم، وتعميق الروابط القائمة بينهم، فضلا عن تمكينهم من تأمل طبيعة الحياة التي يعيشونها، والنظر في أولوياتها.
وتقول في هذا الشأن: “ربما يؤدي هذا الوقت الذي كُرِس للتأمل والتفكير، إلى زيادة `وضوح مفهوم الذات` لدى الناس، إلى درجة يستطيعون فيها بلورة مفاهيم ومعتقدات متماسكة، عن أنفسهم وأهدافهم في الحياة”.
وتقول ريبيكا شاينر، الطبيبة النفسية في جامعة كولغيت الأميركية، إن هذه المشكلة تحديدا، ربما تفسر السبب وراء تسجيل البعض درجات أعلى في اختبارات الكشف عن وجود صفة العصابية لديهم، نظرا لأن هذه الخصلة ترتبط بالميل للإحساس بـ “مشاعر سلبية، مثل القلق والضعف والحزن وحدة الطباع”.
وتضيف شاينر بالقول: “من يعانون من درجة عالية من العصابية، يكونون كذلك عرضة لأن يسببوا مزيدا من الضغوط لأنفسهم، سواء من خلال الانخراط في صراعات مع الآخرين، أو عبر تجنب مواقف، يجدون أنها تتضمن تهديدات لهم”.
لكن ماذا عمن تُرِكوا بمفردهم تماما خلال فترة الإغلاق؟ ربما سيكون بوسعنا هنا توقع أن يُخلّف ذلك تأثيرا سلبيا على صفات شخصياتهم، إذا كنت هذه العزلة الانفرادية القسرية قد جعلتهم يشعرون بوحدة شديدة، وذلك استنادا إلى نتائج دراسات سابقة أُجريت بشأن العلاقة بين الوحدة والخصال الشخصية للإنسان. ويتجسد هذا التأثير في زيادة مستوى العصابية وتراجع قدر الانبساطية في الشخصية. رغم ذلك، ترسم البيانات المتوافرة حتى الآن عن تأثيرات فترة الإغلاق، صورة تُبرز قدرة البشر على التكيف مع الظروف المعاكسة.
ويكفي للدلالة على ذلك، الإشارة إلى دراسة أُجريت في المملكة المتحدة بشأن العلاقة بين الوحدة والشعور بالاكتئاب، وشملت 800 شخص عاشوا في عزلة خلال الأسابيع الأولى من فترة الإغلاق العام. إذ لم تكشف نتائج هذه الدراسة، عن وجود أي تأثيرات سلبية لتلك العزلة على الشخصية.
وأشار القائمون على الدراسة إلى أنه ربما يكون بمقدورنا فهم هذه النتائج في ضوء “ما تعلمناه من دراساتنا السابقة بشأن تأثيرات الحياة في عزلة.. من أن ذلك قد يمنحنا فضاء إيجابيا، يسمح لنا بإعادة تنشيط عقولنا، لا باستنزافها”.
وتتعزز هذه الرؤية على ما يبدو، بفعل نتائج أوليّة أخرى، خَلُصَت إليها دراسة أجراها باحثون من جامعة كولومبيا البريطانية في كندا، حول مدى قوة الترابط الاجتماعي خلال فترة الإغلاق. فقد أشارت تلك الدراسة إلى أن ذلك خلّف تأثيرات سلبية محدودة. وقد يعود ذلك على الأرجح، إلى أن الوسائل التكنولوجية الحديثة، توفر لنا الكثير من السبل، التي تُبقينا على اتصال ببعضنا بعضا، حتى في وقت نخضع فيها لتدابير إغلاق.
وفي هذا الإطار، تقول ويبك بليدورن: “لقد بات بإمكان البشر الاختلاط الاجتماعي افتراضيا، من خلال وسائل التواصل الاجتماعي وتكنولوجيا الاتصالات، وغير ذلك من التطورات التقنية”. وتستطرد قائلة: “أتصور أن يكون أصحاب الشخصيات الانبساطية، هم الأكثر قدرة على اغتنام مثل هذه الفرص”.
وربما تجدر الإشارة هنا، إلى أن أي شخص كانت لديه في منزله مساحة غير مسقوفة، ظل بوسعه أن ينعم – خلال الإغلاق – بالهواء النقي وأشعة الشمس. كما أن الأمر لم يخل بالنسبة للأشخاص الآخرين، من عوامل خففت عنهم وطأة تلك الفترة، مثل اشتراكهم في خدمات البث الحي بحسب الطلب.
وربما تساعد تلك العوامل، على تفسير الأسباب، التي جعلت العزلة التي خضع الكثيرون لها خلال الشهور القليلة الماضية، لا تسفر على ما يبدو عن بعضٍ من التأثيرات النفسية السلبية، التي رصدتها دراسات سابقة، أُجريت على أشخاص عاشوا معزولين في بيئات شديدة القسوة والصرامة. فقد أثبتت بعض هذه الدراسات، وجود صلة مثلا بين قضاء المرء فترات مطولة في مراكز الأبحاث في القارة القطبية الجنوبية أو في تجارب محاكاة الرحلات الفضائية التي تقصد كوكب المريخ، وبين معاناته من تأثيرات سلبية تقلل من إحساسه بالراحة والسعادة، بما يشمل زيادة خطر إصابته بالاكتئاب.
الجدير بالذكر، أن الاتصال بالعالم الخارجي كان شديد الصعوبة، بالنسبة لأفراد عينات البحث في الدراسات التي تحدثنا عنها في السطور السابقة. كما كانت الظروف السائدة في تلك الدراسات، تنطوي على تحديات لم تكن موجودة خلال شهور الإغلاق، مثل الظلام والبرودة القارسة اللذين تشهدهما القارة القطبية الجنوبية، والقرب الشديد من أشخاص غرباء، في تجارب محاكاة السفر إلى المريخ.
من جهة أخرى، ينبغي علينا الإقرار بأنه كان للوباء جوانب وتبعات أخرى، تتجاوز مجرد مسألة الإغلاق. وتقول الباحثة روديكا داميان في هذا الإطار، إنه ربما كان لبعض هذه التبعات، مثل فقدان الناس لوظائفهم أو إصابتهم بالمرض أو معاناتهم من وفاة أحد أحبائهم بسبب الإصابة بـ (كوفيد – 19)، ارتباط أكبر بحدوث تغيرات في الشخصية.
وتوضح داميان قائلة: “هناك ارتباط بين فقدان الوظائف وتراجع الشعور بضرورة التحلي بضمير حي في التعامل مع الأمور. كما تبين أن هناك صلة بين الإصابة بالمرض وزيادة مستوى العصابية وتدني مقدار الانبساطية في الشخصية”. لكن الباحثة استدركت بالقول إنه من الضروري توخي الحذر، في استخلاص نتائج في هذا الصدد، في ضوء أن تلك المؤشرات ستظل مجرد “تكهنات مبنية على التفكير المتعمق”، حتى تتوافر بيانات أكثر تؤكد صحتها.
لكن إذا سلمنا بأننا تغيرنا على نحو ما بفعل الإغلاق، فإن ذلك يؤدي إلى أن يطرح التخفيف الحالي للإجراءات التي اتُبِعَت في هذا الصدد، أسئلة منطقية من قبيل: هل سيكون بوسعنا أن نعود إلى ما كنا عليه في السابق؟ وكيف سيحدث ذلك؟ وهل نريد أن يحدث من الأصل بالفعل؟ بالنسبة لي مثلا، صرت بالقطع أشعر بنزعة أقل للاختلاط بالآخرين، حتى من على مسافة آمنة.
اللافت، أن النتائج المُستخلصة من الأدبيات العلمية المتعلقة بالتغيرات التي تطرأ عادة على شخصية البشر نتيجة تبدل الظروف، تبدو إيجابية. إذ تشير إلى أن البشر قادرون على التكيف، وأنهم يتحلون بضمير حي بشكل أكبر، عندما يضطلعون بأدوار تتطلب بذل الكثير من الجهد. وتفيد تلك الدراسات كذلك، بأن صفات البشر تصطبغ بطابع أكثر إيجابية، بعدما ينفضون أياديهم، من العلاقات الشائكة والسلبية التي تربطهم بمن حولهم.
غير أن شاينر تحذر من أن شخصا انطوائيا مثلي، سيواجه صعوبات، في أن يعود ليتكيف مع طبيعة الحياة، كما كانت قبل الوباء، على الأقل في البداية. وتوضح بالقول: “كان بوسع الانطوائيين خلال فترة الإغلاق تجنب الضغوط الاجتماعية التي يتعرضون لها للاختلاط بمن حولهم. وهذا ما قد يجعل استئنافهم للحياة على شاكلتها المعتادة، أمرا عسيرا عليهم”.
وتنصح الباحثة بأن يعمد الانطوائيون خلال عودتهم تدريجيا إلى الحياة العادية إلى أن “يقضوا وقتهم مع الأصدقاء الأكثر قربا إلى قلوبهم، سواء عبر لقاءات ثنائية، أو من خلال تجمعات تضم عددا محدودا للغاية من الأشخاص، وهو ما يتوافق بالتأكيد مع قاعدة التباعد الاجتماعي على أي حال”.
وتشعر داميان بالتفاؤل إزاء ما نتحلى به من قدرة جماعية، على التكيف مع طبيعة الوضع الناجم عن تواصل رفع إجراءات الإغلاق. وتقول: “لا أعتقد أن الناس بحاجة للشعور بالقلق إزاء مسألة تغير صفاتهم وعودتهم إلى ما كانت عليه قبل فترة الإغلاق. أتوقع أن يحدث هذا التغير لدى غالبية الناس، تدريجيا وبشكل طبيعي”.
غير أن نصيحتها الأساسية في هذا الشأن، تتمثل في ضرورة ألا نتعجل العودة إلى الطرق القديمة، التي اعتدنا أن نعيش حياتنا من خلالها قبل تفشي الوباء.