Beirut weather 25.79 ° C
تاريخ النشر July 6, 2020 06:29
A A A
نصائح أميركيّة تُسهّل تفاوض إيران مع “الرئيس” بايدن!
الكاتب: سركيس نعوم - النهار

نظريّاً ليس أمام الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة سوى خيارين في مواجهتها مع الولايات المتّحدة منذ تأسيسها قبل نحو 41 سنة، في رأي مُتابع أميركي جدّي جدّاً لعلاقتها مع بلاده ولأوضاع الشرق الأوسط ومشكلاته الكثيرة والصعبة المُزمنة جدّاً فيه والأحدث سنّاً. الأوّل هو العودة إلى التفاوض مع الإدارة الأميركيّة ولا سيّما بعدما تمّ إحباط عدد كبير من تحرّكاتها وخطواتها. والثاني هو ليس الاستمرار في الحرب الدائرة بين الدولتين منذ عقود بل تصعيدها على نحو كبير جدّاً الأمر الذي قد يدفع كلّاً من طرفيها إلى محاولة الحسم لمصلحته. لكن يبقى التفاوض الخيار الأفضل لأنّ الحرب المباشرة بل المعركة النهائيّة فيها هي آخر ما تريده إيران أو تُفكّر فيه وخصوصاً قبل أشهر قليلة من انتخابات رئاسيّة أميركيّة، لأن نتيجتها وإن كانت غير حاسمة ستكون مؤذية لها عسكريّاً وكذلك سياسيّاً. إذ تُعطي دفعاً يحتاج إليه ترامب كثيراً في معركة تجديد ولايته الرئاسيّة بعدما بدأ يشعر بالضعف فيها بسبب سوء إدارته معركة مواجهة وباء “كورونا” الذي أطاح إنجازاته الاقتصاديّة، كما بسبب إعادة إحيائه العنصريّة وخصوصاً بين السود والبيض من مواطنيه التي أمضى أسلافه عقوداً لإطفائها ونجحوا في ذلك في ستّينات القرن الماضي. علماً أنّه كان عليهم الاستمرار لإطفاء رمادها على نحو كامل تلافياً لاندلاع نارها مرّة ثانية، ولا سيّما في ظلّ وجود رئيس في البيت الأبيض لا علاقة له بالسياسة والاستراتيجيا، ولا يعرف في العالم وما يدور فيه إلّا الصفقات والمال وفي الحكم إلّا التسلُّط والاستبداد. وبقاء التفاوض الخيار الأفضل لا يعني إقدام القيادة العليا صاحبة الأمر والنهي على بدئه فوراً، إذ في استطاعتها انتظار نتائج الانتخابات الرئاسيّة 119 يوماً التي قد تُحسّن موقعها التفاوضي إذا وصل إلى البيت الأبيض الديموقراطي جون بايدن. علماً أنّ ذلك لا يعني عودة أميركا إلى اتفاق نووي وقّع عام 2015 لأنّ بعضاً من أطروحات ترامب لم يعد التخلّي عنه ممكناً، وتحديداً البحث في المشروع الإيراني للصواريخ الباليستيّة ومعه تعديل مدّة الامتناع عن تخصيب الأورانيوم بنسبة مرتفعة كي تبقى عاجزة عن صنع سلاح نووي.
ما هي الدروس والعِبَر التي يمكن استخلاصها من كل مراحل التفاوض فالاتفاق ثمّ الاختلاف بين أميركا وإيران؟ وما هي الفُرَص التي ضاعت؟
يقول المُتابع نفسه في معرض الجواب عن السؤالَيْن إن إيران فوّتت فرصتين كبيرتين. الأولى هي أنّه كان عليها العمل عن قرب وبجديّة تامّة مع الرئيس أوباما بعد توقيع الاتفاق لتطبيع علاقتها مع بلاده أي لجعلها طبيعيّة. والثانية هي أنّه كان عليها أن تأخذ في سرعة عرض “التفاوض من دون شروط سابقة” الذي قدّمه لها الرئيس ترامب بعد تسلُّمه سلطاته الدستوريّة. كما كان عليها أن تعلن عودتها إلى التفاوض مع مطالبها، ولا سيّما بعدما أعلن هو للعالم كلّه أنه يريد وضع برنامجها الصاروخيّ الباليستيّ ونشاطاتها المؤذية على جدول أعمال المفاوضات. وبذلك كانت تستطيع أن تكسب دعماً دوليّاً واسعاً لا يبدو متوافراً الآن، كما كانت تستطيع أن تتلافى معظم العقوبات التي فرضها عليها وخصوصاً بعدما تحوّلت علاقة الدولتين من سيّئة إلى أكثر سوءاً، وبعدما كادتا أن تذهبا إلى الحرب. علماً أنّ الدول الأخرى الموقَّعة على “الاتفاق النووي” مع إيران كانت مُستعدّة للوفاء بالتزاماتها المنصوص عليها في الاتفاق. لكن وصول واشنطن أو طهران إلى حافة الحرب منعها من ذلك بل جعله مستحيلاً، ولا سيّما بعدما صار واضحاً بل جليّاً أنّ إيران لا تريد تقليص تطوّر برنامجها الصاروخيّ ونشاطاتها “السلبيّة والمؤذية” في المنطقة، كما أنّها بدت عازمة على اللجوء إلى أي إجراء قمعي للتظاهرات الشعبيّة التي سارت ضدّها في مدن وبلدات عدّة أو التي ستسير بعد ذلك. والهدف هو البقاء في السلطة طبعاً من خلال النظام الإسلامي الحاكم.
ماذا بعد انتخاب غالبيّة الشعب الأميركي ديموقراطياً للرئاسة؟
إذا كانت المفاوضات ستُستأنف في حال كهذه على النظام الإيراني أن يقبل حقيقة مُهمّة هي أنّه سيجلس على طاولتها وهو أضعف ممّا كان عام 2015 (التوقيع) وفي الجلسات التفاوضيّة التي أثمرت اتفاقاً. والسبب العقوبات الموجعة جدّاً وحال النبذ التي يعيشها في أنحاء عدّة من العالم. وعليه أن يقبل أيضاً حقيقة مُهمّة هي أنّ الرئيس الديموقراطي سيتقدّم بالطلبات التي قدّمها ترامب أو غالبيّتها للتفاوض طبعاً، وحقيقة أخرى هي أنّه سيكون عاجزاً عن رفع أيّ من العقوبات المفروضة عليه أيّام أوباما وأيّام ترامب قبل تحقيق أو بالأحرى إنجاز تقدُّم تفاوضي محسوس. أنا أعرف، يقول المُتابع نفسه، أنّ شعب إيران فخور (Proud)، لكن الفخر أو الافتخار لا يستطيع أن يمنع نظاماً من العودة إلى طاولة المفاوضات. وبما أنّ هناك دعماً داخليّاً لذهاب النظام الإسلامي إلى التفاوض فإنّ الحصيلة الأولى ستكون اتّساع مساحة التأييد الشعبي له حتّى بين مُعارضيه وربّما التوقّف عن التظاهرات الشعبيّة الحاشدة. لكن الأكثر أهميّة هنا هو أنّ على النظام أن يضمّن “أجندته” أكثر من التوصُّل إلى اتفاق جديد وبكثير. ومع وضع الفخر جانباً، عليه أن يلتقط الفرص للتوجُّه فعلاً إلى علاقات مُتحسّنة ومُتقدّمة مع أميركا. بكلام آخر على هذا النظام نفسه أن لا يُضيِّع فرصة آتية على الأرجح كما أضاع فرصة وجود أوباما في البيت الأبيض، إذ كان عليه أن يعرف أنّ وجود رئيس مثله قد لا يتكرّر في سهولة، وخصوصاً إذا كان خلف ترامب الديموقراطي وريثاً شرعيّاً لتراث أوباما. وجو بايدن نائب أوباما الرئيس هو الوريث. وما تأجُّج العنصريّة المقصود والمُبرمج إلّا دليل على ذلك.
في أي حال الإصغاء إلى “النصائح” الأميركيّة إذا حصل يعني في العراق مثلاً امتناع إيران عن مواجهة بل عن محاولة إلغاء “التطوّر” الذي حصل فيها أخيراً عبر تظاهرات وحكومة رئيسها قريب من أميركا وممارسات قانونيّة لها أثارت وتُثير حلفائها وفي مقدّمهم “الحشد الشعبي”. ويعني إيضاً إنصات الجميع إلى المرجع آية الله علي السيستاني. ويعني أخيراً ابتعاد البيت الأبيض عن الردّ على استفزاز طهران باستفزاز مماثل.