Beirut weather 23.71 ° C
تاريخ النشر May 13, 2020 17:29
A A A
فرنجيه يُحاكم العهد: “أنا الضحية.. أنا السجّان”!
الكاتب: سليم الأسمر- 180post.com

فرنجيه يُحاكم العهد: “أنا الضحية.. أنا السجّان”!

حتماً لا تكفي الحجج التي ساقها سليمان فرنجيه في إطلالاته لإسقاط العهد. لكنها حتماً تكفي وتزيد لإعلان أن المعركة على رئاسة الجمهورية قد بدأت قبل أوانها. ما فعله فرنجيه انما كان يستكمل آخر حلقات المعركة. أما البداية، فقد افتتحها جبران باسيل. فما أن وصل العماد ميشال عون إلى سدة الرئاسة، حتى راح الصهر يشق مساره إلى وراثة ثانية تروم سدة الرئاسة الأولى هذه المرة.
الهجس بالرئاسة الأولى مرض الموارنة المُزمن. والصراع عليها سيرة ما برحت تتكرر على وجوهٍ ومعانٍ كثيرة. كل المعارك عليها في الجمهوريتين الأولى والثانية اتخذت طابع المُكاسرة. لكن ما فعله فرنجية هذه المرة كان قفزاً فوق كل شيء: التحالفات، أقوياء الطوائف، الجغرافيا السياسية اللبنانية، موارنة المركز والأطراف، التباسات الإقليم (لا سيما مع سوريا) وحسابات الأمم. لقد فعل فرنجيه ما فعله وهو يعلم أنه “عين” السيد حسن نصرالله، كما ميشال عون، هو “العين” الثانية.

كشفت إطلالة الزعيم الشمالي، وما ساقه في مضبطته السياسية، أن العهد الحالي يعيش أسوأ أيامه. أكثر من ذلك، كشف أن “الهذيان الطائفي” الذي استدعى تسعيراً طائفياً وخطاباً عنصرياً شوفينياً، يُحشّد جماهيرياً لمرحلة، لكنه ليس ثابتاً في وقائع السياسة اللبنانية، لا بل هو خطاب استدعى نكبات نزلت بالمسيحيين خصوصاً واللبنانيين عموماً، فهل من عاقل يروم الخطاب ذاته اليوم؟

بوسع أي كان أن يؤيد فرنجيه في ما ذهب إليه. كما يستطيع أي كان أن يعلن رفضه لا بل إدانته. لكن أحداً لا يمكنه نفي ما التصق بـ”العونية” ومعها العهد من تتابع النكبات في السياسة والاقتصاد والاجتماع، ناهيك عن “روح ثأرية” سادت حراك “الوريث” وتعاطيه مع الغالب من القوى، وكلها كانت من طبيعة مغامرة: رؤوس كان يريد تكسيرها. صعودُ إلى الجبل حمل تلاعباً بالتوازن التاريخي الحساس. تمييع لطبيعة الصراع مع إسرائيل. تمسكٌ شديد بوزارات زادت إدارته لها إنهاكاً مالياً ونقدياً للبنان. تعليق تعيينات في وظائف دُنيا لا لشيء، إلا لنقص طفيف في عديد مسيحيين ما أرادوا هذا النوع من العمل. الإنقلاب على تفاهم معراب، بمجرد إعلان نتائج الإنتخابات الرئاسية في خريف العام 2016.

لا يمكن فصل الاشتباك المردي ـ العوني سواء في التعيينات الادارية او حتى في فضائح النفط المغشوش، عن الصراع على رئاسة الجمهورية. فتح الملف النفطي هدفه الأول والاخير استهداف فرنجيه. الأخير لم ينكر “الاتّهامات”، بل قدّم سرديّته ليُبرّرها ويُدافع عنها، بمجرّد أن رسم لها إطاراً سياسياً عمره أكثر من 15 عاماً، حيث توالت على وزارة الطاقة شخصيات من حزب الله والتيار الوطني الحر والطاشناق والمرده. لقد أكد فرنجيه المؤكد في نهب الطبقة الحاكمة للمال العام وتطويع القضاء للإفلات من المحاسبة. فحوى كلامه ان الفساد موجود. لكن المشكلة تبدو في الاستنسابية في محاربته أو فتح ملفاته، فاستهداف الموظف الصغير، في جوهره يأتي لحماية الموظف الكبير سواء أكان برتبة وزير أو رئيس.

لذلك، يصبح السعي لتوقيف أو محاكمة بعض المناصرين لفرنجيه في قضية الفيول المغشوش، خطوة في سياق استهداف فرنجيه نفسه، أقله من وجهة نظره. في هذا الاطار، لا يتردد جبران باسيل في محاربة حتى عديله شامل روكز، فيطرد موظفة من كهرباء لبنان، لمجرد أنها مؤيدة للعميد المتقاعد. ويركز اهدافه ضد الحاكم بأمر الليرة رياض سلامه وصولاً الى الحاكم بأمر الأمن العماد جوزف عون، دون أن ننسى سمير جعجع وحساباته مع جبران باسيل.. خصمه الأبرز في الصراع الرئاسي، بدليل أنه بالتزامن مع قضية الفيول المغشوش، كان النائب البعلبكي ومنظر تشريع القنب الهندي انطوان حبشي، يفنّد فضائح باسيل في ملف الكهرباء، بدافع سياسي من معراب.

في القراءة السياسية، تتبدى أمام الجميع واجهة “جميلة جداً”: فساد ونفط وكهرباء وسدود، أما جوهرها، فهو الصراع على كرسي الرئاسة بين ثلاثة أو أربعة وجوه مارونية أقلهم حظاً جعجع لأسباب كثيرة، إلا إذا شنّت إسرائيل حرباً على لبنان، في يوم من الأيام، وهزمت حزب الله شر هزيمة، فيصبح هو الأول، وتتراجع حظوظ الآخرين.

لا يشبه فرنجيه باقي الطامحين. لا باسيل بفئويته و”فجعه السياسي”. ولا جعجع الحالم الذي يتعاطى مع ماضيه كأنه مضى. ولا رياض سلامة الذي يلعب “صولد” مع الأميركيين. الأصل عند فرنجيه أنه يعتزل السياسة ولا يمكن أن يخون المقاومة ونصرالله. تنسيقه مستمر مع بري. يجانب التوتر مع العرب، لا بل يحرص على أفضل علاقة مع السعوديين. يتواصل مع الإيرانيين لكنه أحد قلة قليلة من السياسيين الذين رفضوا “الشنطة” في طهران، وقال لممثل قاسم سليماني قبل 13 عاماً “انا جئت إلى هنا لأدعمكم سياسياً لا لآخذ منكم المال”. يتباهى بصداقته مع بشار الأسد وتواصله العائلي والسياسي الدائم معه. صلاته مع الغربيين لا تني تنمو وتزدهر. هو من ضمن الوجوه المارونية، الاقل تقوقعاً في خطابه. والدته مصرية وحماته عراقية. لم يمارس أي عمل آخر غير السياسة التي أدخلته إلى البرلمان اللبناني نائباً مُعيناً عن قضاء زغرتا في 1991 لأول مرة، إضافة إلى منصب وزير للإسكان بعد عامين في حكومة الرئيس الراحل رشيد الصلح.. وقبل النيابة بعام، قام بتوحيد “ميليشيا المرده” بعد تنحية عمه روبير فرنجيه عن القيادة، ثم أصبحت “الميليشيا” تياراً سياسياً يقوده منذ ذلك الوقت.

الثابت أن فرنجيه أحسن التوقيت. كما أحسن التصويب وهو المعروف عنه براعته في الصيد. أطل جامعاً اعتراضات حليفيه رئيس مجلس النواب نبيه بري والزعيم الدرزي وليد جنبلاط، وصديقيه الرئيسين السابقين سعد الحريري ونجيب ميقاتي. ومواقف هؤلاء المتفرقة مسحوبة إلى انتفاضة 17 تشرين على تعارضها معهم، ترقى إلى مستوى لغة سياسية واحدة، مع تفاوت جدي في الخلفيات والمآلات.. علماً أن فرنجيه شعر بأنه أقرب ما يكون إلى خطاب الإنتفاضة، لولا توجسه من إستهداف حزب الله من خلال شعار “كلن يعني كلن”.

التردي الذي كشف فرنجيه ان “العونية” بَلغَتهُ راح يتراكم تدريجياً. رثاثتها استهلته بإعلاء “الرئيس القوي” على كل توازنات البلد، كما على متغيراته في الاجتماع والاقتصاد والديموغرافيا. في عهدها، قامت “الثورة” وإنهار الإقتصاد، ناهيك عن تصدعات هائلة في القطاع المصرفي الذي كان منه ميشال شيحا الذي ركّب “وطناً” على قياس “المسيحية السياسية”. ليس المقصود تحميل العونية، لكنه التزامن الذي جعل الآتي إلى القصر، يستدعي جيشاً في العام 1990 وثورة بعد ثلاثين عاماً.

ما أعلنه فرنجيه يستدعي تبصراً عميقاً بدلالاته السياسية. فهو تعريفاً مجرد “زعيم شمالي” (طرفي)، لكنه ذو تقاطعات متشابكة جداً. على امتداد سيرته ومسيرته، كان “عروبياً ” مناوئاً لأكثر ما في المسيحية السياسية من تطرف مثله بوضوح شديد الرئيسان الراحلان كميل شمعون وبشير الجميل. حليف المقاومة في زمني الأسد، أباً وإبناً. “أمينٌ على الخط”، على ما يؤكد في سائر إطلالاته قاصداً الخط العروبي والمقاوم المناوىء للتقوقع الطائفي وللمشروع الإسرائيلي.

يمكن اتهام فرنجيه بكثير من موبقات النظام السياسي اللبناني منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي. ويمكن مساجلته أكثر في طبيعة علاقته بالنظام السوري، وما خلّفه الأخير طيلة 29 عاماً أقام خلالها وصياً على لبنان. لكن لا يمكن سلب الرجل صدقيته وعفويته في قول الأشياء من دون مواربة. فمن بين الزعماء الموارنة الحاليين، يبدو الأكثر عقلانية. الأكثر واقعية في قراءة حال المسيحية السياسية. نأى بنفسه عن “وهم القوة” الذي سوّق له عون وسمير جعجع (باكورته تفاهم معراب). يعرف جيداً أن المسيحيين ليسوا بحاجة إلى القوة بقدر حاجتهم إلى التواضع ثم التفاعل الذي ركز عليه ودعا اليه السينودس من أجل لبنان.

ما يُكسبه صدقية ونوعاً من التعاطف هو مكاشفته الصريحة سواء ما تعلق بتحالفاته، أو سواء ما ارتبط بخصوماته. لكنه، وعلى طول الخط، له ثوابته التي دفع أثمانها جهاراً وما قايض عليها. بلغ وفاؤه حد إنكار الذات “حفاظاً على الخط” على ما يقول ويردد. كان ضد التمديد للرئيس السابق اميل لحود مع أنه كان مرشحاً محتملاً ثم تراجع “صوناً للخط”. بعد شغور رئاسي استغرق عامين ونيف ارتفعت حظوظه إلى المدى الأقصى، وكان بينه وبين بعبدا مبعدة أيام، لكن “مصلحة المقاومة” دفعته إلى التراجع وتقديم ميشال عون، ولو على قاعدة “مكره أخاك لا بطل”.

ارتكب فرنجيه كغيره الكثير في نظام المحاصصة. كان ركناً من أركانه. لكنه شكل على الدوام عامل استقرار سياسي. لم يُسجل عليه استثارةً طائفيةً. ولم تُدرج في سيرته السياسية متاجرة بالدم الغزير الذي نزفته عائلته. امتلك قدرةً استثنائية على تجاوز الروح الثأرية ممن اتُهموا بالمقتلة إدارةً وتنفيذاً. قيل أن الأوامر صدرت من بشير الجميل، وأن من نفذ هو سمير جعجع. هذا لم يعد مهماً بحسب العادة اللبنانية المريضة بالتسويات وتجاوز الوقائع. فما حصل صار من تاريخ لبنان المُربك والمُعقد. المهم أنه قفز فوق ذلك، ولو بصعوبة. يستذكر أحد الضباط كيف أن فرنجيه، وما أن وطأ عتبة المقر الرئاسي المؤقت في الرملة البيضاء في العام 1990، وجد سمير جعجع هناك، فأمسك بقبضة مسدسه، قبل أن يغادر مهرولاً.. وهو يشتم رئيس الجمهورية الراحل الياس هراوي!

تأريخ سيرة فرنجيه الفردية ينشطر إلى زمنين. الأول، نجاته من المقتلة التي أودت بعائلته. أما الثاني، فيبدأ عام 1992 بعد وراثته الزعامة عن جده الرئيس سليمان فرنجيه والذي تربى بكنفه. أما تأريخ سيرته العائلية بما هي عنصر وازن في الحيوات السياسية اللبنانية، فيعود إلى شقيق جده حميد فرنجيه، أحد أبرز رجالات الإستقلال ومرشح الرئاسة الأقوى لخلافة أول رئيس في الجمهورية الأولى بشارة الخوري. أما والده طوني، فقد قُتل عام 1978 وكان وزيراً للاتصالات وانشأ “لواء المرده” الذي قاتل مع الكتائب والأحرار والتنظيم (أبو أرز) في بداية الحرب اللبنانية.

ورث فرنجيه جده في الزعامة، كما في السياسة. كان أهم ما في التركة، تلك العلاقة العائلية والسياسية التي أنشأها الجد مع الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد. وهذا لم يكن أمراً عابراً في الواقع المسيحي. فقد شكل استثناء على واقع مسيحي شبه عارم، كان انقلب على سوريا وعاداها بعد ان استنجد بها عام 1976 لقتال الحركة الوطنية ومنظمة التحرير الفلسطينية.

هذا لا يعني بحال من الأحوال ان علاقة التحالف مع سوريا التي اختطها الجد كانت من طبيعة مصلحية، أو أنها نشأت مثخنة بروح المطامح. ذلك أن فرنجيه الرئيس، وفي زمانه، كان يرى الى العلاقات اللبنانية ـ العربية شأناً وثيق الصلة بالاستقرار اللبناني، وأولاها إهتماماً شديداً. فكان دفاعه الشهير عن المقاومة الفلسطينية في الامم المتحدة عام 1970. وهو الذي آزر سوريا في حربها ضد اسرائيل عام 1973، ما ساعده في تمتين مسوغات الاستنجاد بها عام 1976 وتلبيتها له. على أن “المارونية السياسية”، وفي ظل اعتقادها الواهم بقدرتها على استثمار الخارج في الداخل والانقلاب عليه او التنصل منه، كما في الحالتين السورية والإسرائيلية، أرادت آنذاك من الرئيس الأسد أن يسلمها لبنان كما قبل الحرب. وبدأت القوات السورية حرب استنزاف، لكن فرنجيه الجد احتكم لوطأة الجغرافيا ووقائع اتصال الشمال اللبناني مع سوريا.

بهذا المعنى، ورث فرنجيه الحفيد عن جده واقعاً وقناعةً بمعنى العلاقة مع سوريا. فزعامته الشمالية محكومة بوضوح شديد لصلات سياسية وعائلية مع الزعامات الطرابلسية والعكارية. والشأن العائلي وسيرته في لبنان، هو عنصر مُقرر وحاسم أحياناً في السياسة. ففي الانتخابات التي جرت قبل الاستقلال، شكّل حميد فرنجيه حلفاً وثيقاً ومتيناً مع عبد الحميد كرامي ضد اميل اده الذي كان يستمسك الانتداب الفرنسي للبقاء في لبنان. وهذا التحالف سينسحب مع سليمان الجد ومع الرئيسين الشقيقين الراحلين رشيد وعمر كرامي ومع وريثهما فيصل، قبل أن يتوسع ويشمل الرئيس نجيب ميقاتي في طرابلس وجهاد الصمد في الضنية والعديد من الوجوه الإسلامية الشمالية.

ما أرساه الجد مع سوريا وسار عليه الحفيد، له متعلقات تاريخية وحيثيات سياسية، وإن حمل إلتباساً في معنى “الوطنية” التي كانت تتنازعها سائر القوى المُتقاتلة. فالرئيس فرنجيه الذي حمل شعاراً من طبيعة شوفينية وتردد أنها من صياغة الكبير الراحل غسان تويني “وطني دائماً على حق”، جاء سليمان الحفيد ليرسي عبارة الوفاء لـ “الخط” الذي تمثله سوريا بالمنطقة، يوم أعلن العماد مصطفى طلاس من زغرتا “صداقة سوريا دولةً وشعباً” لسليمان الصغير الذي عاش مأساة شكسبيرية حافلة بالمكائد والدم، وصار وزيراً.

قبل صداقته مع بشار الأسد، كان فرنجيه صديقاً لشقيقه باسل الذي قضى بحادث سير عام 1994 على طريق مطار دمشق الدولي. وهي صداقة عميقة إلى درجة أن زعيم المردة أطلق اسم باسل عام 1992 على صغير ابنين أنجبتهما زوجته الأولى ماريان سركيس التي انفصل عنها عام 2003 بطلاق، تلاه زواجه بالمذيعة التلفزيونية ريما قرقفي. أما ابنه البكر (النائب الحالي طوني)، فقد أبصر النور سنة 1987 وأسماه على اسم أبيه، طوني، وهو متزوج من لين زيدان كريمة رجل الاعمال الصيداوي محمد زيدان.

ما أطل به فرنجيه على “العونية” رئيساً وساعياً لوراثة سدة الرئاسة، جاء مُطالباً بالوفاء ليمسح الندوب العميقة التي خلفها باسيل بجسد الحلفاء وحلفاء الحلفاء، ولم ينجُ منها إلا حزب الله. فالوفاء ليس تنويعاً ولا بهرجة عند آل فرنجيه، بل يقع في متن الممارسة السياسية وأصلها… هذا الرجل خاض السياسة منذ صغره تحت عنوان “الوفاء”.

مع الزلزال الكبير الذي أودى بالرئيس رفيق الحريري، في شباط/فبراير 2005، بقي فرنجيه مع “سوريا الأسد”. وصمد إلى جانب “السيد حسن”. عندما إستشاره قائد الجيش وقتذاك العماد ميشال سليمان بكيفية التعامل مع الجمهور المتدفق إلى وسط بيروت، في الرابع عشر من آذار/مارس، نصحه بفتح كل الطرقات وتسهيل وصول الناس إلى الساحات.

في انتخابات 2018، خرج فرنجيه من النيابة ليتفرغ لطموح الرئاسة. سلّم الراية إلى نجله طوني فرنجيّه، واستمر قائداً لتيار سياسي يجمع العشائرية والمناطقية. كان همّه على الدوام حفظ الوجود والذات في أحلك الظروف في منطقة ما تزال شعوبها تميل الى النظام الأبوي، وحصلت فيها شتى أنواع الخصومات والاغتيالات والمكائد.

سليمان فرنجيه ليس من النوع الذي يقود انقلابات. انزياحاته، على ندرتها، ممنهجة ومتسقة. تأتي دائماً متناغمة بين الممارسة وبين نبرة الخطاب السياسي. موقفه الأخير من “العونية” ليس طارئاً. له سياقاته، من لحظة عودة “الجنرال”، والإنتساب السريع إلى تكتل التغيير، مرورا بـ”جرح غائر” خلّفته زيارته إلى الرابية يوم تأخر باسيل في استقباله وسرّب الأخير ذلك إلى الإعلام بفوقية خارجة عن الأدبيات، وصولاً إلى قرار شطبه من المعادلة الرئاسية.. بالملفات.

أعاد فرنجيه تموضعه نسبيا بعد عام 2015. خفّف من وتيرة “العداوة” مع القوات اللبنانية المتهمة باغتيال والده وعائلته، من دون أن يتحالف معها. أنجز ترتيب العلاقة مع ورثة بشير الجميل عبر لقاءات مع الرئيس السابق أمين الجميل ونجله سامي. تقرّب من سعد الحريري بعد زمن من الخصومة والتوترات اللفظية، حتى صارا صديقين بكل معنى الكلمة. هكذا بات فرنجية في منطقة أقرب إلى “الوسط”، وهي مساحة يلتقي فيها، ليس مع الحريري فقط، بل مع نبيه بري ووليد جنبلاط ونجيب ميقاتي وآخرين، على عكس باسيل، الذي لم يترك طرفاً في السياسة اللبنانية إلا وخاصمه، حتى داخل التيار الوطني الحر، عندما قرر أن يطيح بفئتي المؤسسين والمناضلين لمصلحة فئتي الممولين والموالين.

طبيعي أن لكل شخص أسلوبه في السياسة ولكل هدفه. كلا الطرفان، فرنجيه وباسيل، يحاولان تعبيد الطريق الى قصر بعبدا، لكن لكل منهما طريقته. باسيل ركيزته مصاهرة لا يتفوق أحد أو يتقدم عليها.. واستثارة لا تهدأ للعصبية الطائفية (وحتى المذهبية بين المسيحيين أنفسهم)، وهو ضمناً يعتقد، عن حق أو عكسه، بأنه الخيار الذي لا بديل عنه مسيحياً عند حزب الله، حتى إشعار آخر.

لقد خُذل فرنجيه مرتين. الأولى، في العام 2004، عندما فضّلَ الرئيس السوري بشار الاسد التمديد لإميل لحود. الثانية، عندما سحب السيد نصرالله لقمة الرئاسة من “فمه” في العام 2016. لقد قالها فرنجيه بلا تردد في مقابلة اعلامية. وقالها سعد الحريري اكثر من مرة. وثمة من قال أن حزب الله وعده بأنه سيكون التالي بعد عون. وقبل أشهر التقى نصرالله باسيل وفرنجية كلاً على حدا، وراجت تخمينات كثيرة على تلك اللقاءات، خصوصا انها تأتي مع متنافسين ـ حليفين لحزب الله.

بخروج فرنجيه عن صمته الذي استطال، يكتسب شيئاً من خصال حليفه الدائم نبيه بري. المراقبة والصمت ثم الانقضاض في اللحظات الحساسة، على ما فعل الإبن الوفي للمنظومة في مؤتمره الصحافي الذي بدل أولويات وخلط أوراقاً وأحمى معركة رئاسية يعود الفضل لميشال عون بتدشينها عندما قرر منذ اليوم الأول لوصوله أن يكون رأس حربة باسيل ـ الرئيس، لا أن يفكر بكيفية حماية ولاية رئاسية، مضى نصفها وهو لم يشكل حكومته الأولى.. حتى الآن!

محمية إهدن ميزتها أرزاتها الباسقات. لسركيس حليس أن يزرع أرزة هناك. إضحك، أنت في زغرتا. إنه لبنان.