Beirut weather 32.56 ° C
تاريخ النشر April 15, 2020 05:17
A A A
الكيّ بالـ Hair cut داء “يبخّر” السيولة وليس دواء
الكاتب: خالد أبو شقرا - نداء الوطن

سقطت أرقام العجز المرعبة التي تضمنها “البرنامج الانقاذي” للحكومة كالفأسِ بالرأس. وزادت الضبابية في كيفية المعالجة، والايهام برمي العبء على المودعين من حدة النزيف، حتى سقط البلد بمن فيه، مغشياً عليه. لكن لحظة، هل ما قيل هو الخيار الوحيد؟ أم ان هناك مقاربة أخرى أكثر تفاؤلاً وموضوعية لحل الأزمة؟ وهل نحن مرغمون لتجرّع كأس سرقة الإيداعات المر، وتفويت أي فرصة لاعادة نهوض لبنان في المستقبل، أم علينا التفكير بعقلانية بما فيه مصلحة الجميع؟

أولاً، دعونا نبدأ من حيث يجب ان ننتهي، بأن الحل التقني للأزمة متوفر، وهو غير مكلف كما صوّره البعض. إنما المفقود لغاية اللحظة، هو الحل السياسي المتمثل باقتناع الطبقة الحاكمة بالاصلاح الحقيقي والتخلي عن المنافع والامتيازات. وإلى حين حصول “العجيبة” فان هذا المقال يسلط الضوء على امكانية اعادة هيكلة القطاع المصرفي من دون Hair Cut أو أي من الإجراءات الراديكالية التي ستعتمدها الحكومة حتماً، في حال لم يُرفع الصوت عالياً ويتمّ الاعتراض عليها… لأنها طبعاً الطريق الأسهل بالنسبة إلى المسؤولين.
باختصار وكما أصبح معلوماً، تظهر الخطة ان خسارة مصرف لبنان تقدر بنحو 55 مليار دولار ناتجة بشكل أساسي عن حمله دين الدولة، ودفعه المليارات من أجل تثبيت سعر الصرف والتدخل مراراً لانقاذ عجز ميزان المدفوعات. يضاف إلى عجز “المركزي” خسارة القطاع المصرفي 27 مليار دولار، ناتجة عن إقراض الدولة والاكتتاب بـ “اليوروبوندز” وتراكم ديون معدومة على القطاع الخاص. في المحصلة تبرز فجوة بقيمة 83 مليار دولار يجب ردمها. وإذا استثنينا منها رساميل المصارف البالغة 20.7 ملياراً، فإن هناك مبلغاً متبقياً بقيمة 63.6 ملياراً يجب حسمه بحسب الخطة من المودعين. أي عبر Hair Cut وحشي وغير مسبوق.
تحميل المودعين الخسارة، إنطلق من فكرة استفادتهم من معدلات الفائدة المرتفعة خلال السنوات الماضية، وبالتالي يتوجب عليهم دفع الثمن. فيما الحقيقة هي ان كل اللبنانيين استفادوا من تثبيت سعر الصرف، ودعم عجز ميزان المدفوعات. من هنا يرى رئيس تجمع رجال الاعمال فؤاد رحمة ان المعالجة يجب ان تنطلق من اعادة هيكلة مصرف لبنان أولاً، ومن ثم المصارف التجارية على فترة من السنوات لا تقل عن خمس عبر التالي: إعادة هيكلة المركزي
تتطلب إعادة هيكلة المركزي انتهاء المفاوضات أولاً مع الدائنين من أجل تحديد الخسائر الناتجة عن سندات “اليوروبوندز”، والتي أصبحت قيمتها الفعلية اليوم 20 سنتاً للدولار وليس 1 دولار. ومن ثم إعادة تخمين لأصول المركزي والتي تتضمن، بالاضافة الى الشركات والمؤسسات كـ”انترا” وطيران الشرق الأوسط وكازينو لبنان، الكثير من العقارات غير المقيّمة حديثاً والمسجلة بسعرها التاريخي. ولعل ما يملكه المركزي من أراض في الارز نتيجة تملكه لممتلكات آل كيروز مثلاً، بعد تعثر بنك “الإعتماد الشعبي” الذي كانوا يملكونه، خير دليل على ذلك. بالتالي فإن تقييم أصول المركزي وإضافتها على رأسماله من شأنها تخفيض العجز فيه من 55 مليار دولار إلى حدود 40 مليارا، يجري في ما بعد إطفاؤها على مدى 5 سنوات من عوائد “الصندوق السيادي”، الذي توضع فيه أصول الدولة التجارية وممتلكاتها”.
تبلغ خسائر المصارف التجارية 28 مليار دولار، ناتجة بشكل أساسي من حملها لدين الدولة وسندات “اليوروبوندز” وتعثر بعض الزبائن في القطاع الخاص. وعلى غرار “المركزي” فان تقييم الكلفة الحقيقية للخسائر مع القطاع العام ستتحدد من بعد التفاوض واعادة هيكلة الديون. أما الديون المتعثرة على القطاع الخاص فهناك ضمانات عليها تستطيع المصارف تحصيلها. هذا وقد عمدت المصارف اللبنانية الى تملك عقارات بدلاً عن ديون متعثرة منذ فترات طويلة، وقد أخذت عليها مؤونات وذلك تبعاً لقانون النقد والتسليف الذي فرض، قبل تعديله أخيراً على المصارف التي تعجز عن تسييل العقارات في غضون عامين، ان تؤخذ مؤونة على الديون بنسبة 20 في المئة على 5 سنوات. وعليه فان لدى المصارف استملاكات مسجلة (صفراً) بالقيم الدفترية، بسبب تكوّن المؤونة عليها في السنوات الماضية. وبالتالي باستطاعة المصارف إعادة تقييمها وإضافتها على رأسمال المصارف. وعليه فان العجز لن يتخطى 10 مليارات دولار مقارنة مع رساميل المصارف المقدرة اليوم بحدود 20 ملياراً. وعليه فان خسارة بقيمة 10 مليارات دولار فقط نستطيع اعادة تكوينها مع الزمن بسهولة، خصوصاً اذا ترافقت مع خطوات وقف توزيع الارباح والكابيتال كونترول. من هنا نستطيع العودة خلال مدة 5 أعوام إلى نسب الملاءة المفروضة عالمياً.
هذه العمليات كلها تعتبر دفترية ولا تؤمن السيولة لاعادة إدارة عجلة الاقتصاد. وبالتالي، من أين ستتأمن السيولة؟
يجيب رحمة بان هناك مصدرين للسيولة:
الأول، عبر قروض من صندوق النقد الدولي، بناء على خطة محكمة تؤكد قدرتنا على استيعاب الخسائر من خلال تسييل موجودات الدولة وإعادة هيكلة “المركزي”، وإعادة تقييم اصول المصارف وتكوين رساميلها وتخمين موجوداتها.
ثانياً، من خلال رهن الذهب الذي تقدر قيمته بحدود 15 مليار دولار والاستفادة من الأموال لبناء الاقتصاد الحقيقي وليس بإعادة هدرها في عمليات الفساد والمحاصصة.
أخطر ما يكون اليوم في العقلية التي تدير البلد هو استسهال التعرض لأموال المودعين. فهذه “القرصنة” من الممكن ان تُكسب “السلطة” جولة، لكنها ستجعل البلد يخسر الحرب الطويلة والكفاح من أجل النهوض والبنيان والازدهار. فالتعرض اليوم لأموال المغتربين والمستثمرين العرب والاجانب، سيفوّت علينا في الغد أي فرصة لعودة هذه الاموال والمساهمة في بناء لبنان.