Beirut weather 11.82 ° C
تاريخ النشر March 26, 2020 06:49
A A A
زعامة أم وهْم؟ كيف كشف فيروس كورونا فضيحة قيادة أميركا للعالم
الكاتب: عربي بوست

قيادة العالم لها شروط، أبرزها أن تكون الدولة الأقوى عسكرياً واقتصادياً وتكنولوجياً، لكن الأهم هو الاستراتيجية بعيدة النظر التي تتخطى المصالح الذاتية الموقتة؛ فهل ما زال هذا التعريف ينطبق على الولايات المتحدة الأميركية؟ تفشي وباء كورونا ربما يحمل المؤشرات على ميلاد نظام عالمي جديد تفقد فيه واشنطن قيادتها.

 

البؤرة الثالثة للفيروس
مع ارتفاع حالات الإصابة بالفيروس في الولايات المتحدة، الأربعاء 25 مارس/آذار، إلى نحو 55 ألفاً والوفيات إلى 784، أصبحت القوة العظمى الأولى عالمياً في المركز الثالث بعد الصين وإيطاليا، مع توقعات بأن تتحول إلى البؤرة الثالثة للتفشي بعد الصين وأوروبا، كما حذرت منظمة الصحة العالمية، الثلاثاء.

الوضع داخل الولايات المتحدة فيما يخص النظام الصحي والاستعداد لمواجهة التفشي يطرحان تساؤلات كثيرة حول واقع الدولة الأقوى عالمياً عسكرياً واقتصادياً، ومدى واقعية هذا التوصيف الذي يتعرض للتشكيك منذ عقود، فهل يكون فيروس كورونا هو المسمار الأخير في نعش قيادة أميركا للعالم؟

هل هي قيادة وهمية؟
خبير الشؤون السياسية والأمنية الأميركي آلان بيم نشر مقالاً قبل عدة أشهر، بعنوان: “تراجع منحنى القيادة الأميركية للعالم.. قوة من دون سلطة”، توقف عند السرعة المذهلة التي تتسبب فيها رئاسة دونالد ترامب غير المسؤولة في تقويض وضع أميركا كقوة أولى على المسرح العالمي.

تأسست القيادة الأميركية للعالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945، على عدة محاور أدت إلى تكريس الزعامة باعتراف غالبية دول العالم، بدلاً من فرضها بالقوة العسكرية فقط؛ من تأسيس الأمم المتحدة بهيئاتها المختلفة إلى إنشاء البنك الدولي للمساهمة في تقديم مساعدات مالية للدول التي تحتاجها، وقبل ذلك مشروع مارشال لإعادة بناء أوروبا المدمرة كلياً بفعل الحرب، وإنشاء الهيئة الأميركية للمساعدات الدولية، كما أسست حلف الناتو ليمثل ذراعاً عسكرية، ضم الحلفاء في أوروبا والكتلة الغربية.

خطة مارشال لإعادة إعمار أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية
تلك المبادرات الأميركية كانت نابعة من استراتيجية واضحة وهي أن تأسيس نظام عالمي يقوم على قواعد مشتركة تقوده أميركا القوية، يوفر لها السلطة المطلوبة لقيادة العالم، وهذا ما جعل أستراليا مثلاً تنضم لذلك التحالف وتدعم المبادرات الأميركية.

من المهم هنا التفريق بين القوة الغاشمة التي تفرض قيادة إجبارية على التابعين -كما هو الحال في الاتحاد السوفييتي وحلف وارسو على سبيل المثال- والسلطة القيادية التي تمتعت بها الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

تحت إدارة ترامب، فشلت وساطة الولايات المتحدة في إقناع إثيوبيا بالتوقيع على مشروع اتفاق مع مصر بشأن سد النهضة، بل صدرت تصريحات إثيوبية تتهم واشنطن بممارسة ضغوط على أديس أبابا، في تذكير صارخ بما فقدته الولايات المتحدة من “سلطة” ضرورية لأي قائد عالمي.

السياسة الخارجية الترامبية
على الرغم من أنَّ تراجع التأثير الأميركي عالمياً ربما يكون قد بدأ مع مطلع القرن الحالي، بحسب بعض المحللين، فإن هذا التراجع أو بمعنى أكثر وضوحاً انكشاف “أكذوبة” الهيمنة الأميركية، أصبح أكثر وضوحاً وفي المجالات كافة منذ وصول ترامب إلى البيت الأبيض تحت شعاره الانتخابي “أميركا أولاً”.

وكما يقول بيم، نجحت أميركا في الحفاظ على وضعها العالمي على مدى نحو 7 عقود، رغم إخفاقات وسوء تقدير في أزمات سياسية ومغامرات عسكرية مثل الإطاحة بحكومة مصدق في إيران عام 1953 وحرب فيتنام وفضيحة خليج الخنازير وغزو العراق، وذلك بسبب استراتيجية ارتباط القوة بالسلطة التي اكتسبتها الولايات المتحدة من خلال نظام عالمي ليس مثالياً لكنه كان فاعلاً.

ولكن خلال ثلاث سنوات فقط تحت إدارة ترامب، بدأ استخدام القوة فقط بطريقة فرَّغت السلطة من مضمونها، لتنكشف شرعية الهيمنة الأميركية، في وقت شهد المسرح العالمي صعود لاعب آخَر أكثر قوة وشراسة وهو الصين، وبروز لاعب قديم استفاد من التراجع الأميركي وهو روسيا، وهو ما عجَّل بانكشاف هشاشة القوة الأميركية أمام الأزمات المتلاحقة التي أشعلت إدارة ترامب كثيراً منها دون حساب للعواقب.

ريكس تيليرسون
واللافت هنا هو سرعة هذا التدهور في وضع الولايات المتحدة وسمعتها على المسرح الدولي، والذي يرجع إلى القرارات العشوائية التي يتخذها ترامب بناء على حسابات لحظية ضيقة، عكس ما يُفترض بدولة تقود العالم أن تتصرف به. ومن المهم هنا الإشارة إلى التراجع الكبير في السياسة الخارجية الأميركية بعد أن أصبحت كل الملفات يديرها ترامب ومستشاره الأقرب صهره غاريد كوشنر، ويمكن هنا الرجوع لشهادة وزير الخارجية السابق ريكس تليرسون أمام الكونغرس والتي كشف فيها كيف يتم اتخاذ القرارات بشأن السياسة الخارجية في عهد ترامب.

حشر الحلفاء في الزاوية
القرارات الترامبية المنفردة بالانسحاب من الاتفاقيات والترتيبات والتفاهمات الدولية، ومحاولة إعادة التفاوض بشأن ما يمثل أساس النظام العالمي القائم والذي ضمِن للولايات المتحدة مكانة القائد من الأساس، وضع الحلفاء والشركاء في موقف صعب، حيث يسود الخوف من أن تحل “التنافسية القومية” محل “التعاون الدولي”، وهو ما جعل هؤلاء الحلفاء يشعرون بالخيانة من جانب واشنطن، وتركيا هنا خير مثال لكنها ليست الوحيدة، فالأوروبيون أيضاً بدأوا بالفعل في البحث عن تحالفات جديدة بعيداً عن واشنطن، فالبديل هو الانصياع التام لإرادة ترامب المتقلبة.

وجاءت جائحة كورونا لتؤكد تلك السياسة الترامبية التي لا تحسب حساباً للحلفاء، فقد أبدى قادة الاتحاد الأوروبي قبل أيام، عدم موافقتهم على قرار الرئيس ترامب حظر السفر من أوروبا إلى الولايات المتحدة وسط الوباء، وقال رئيسا المجلس الأوروبي والمفوضية الأوروبية، شارل ميشيل وأورسولا فون دير لين، في بيان، إن التفشي “أزمة عالمية، لا تقتصر على أي قارة، وتتطلب التعاون بدلاً من العمل الانفرادي”.

وكشف البيان أن ترامب اتخذ قراره دون التشاور أو حتى إبلاغ الاتحاد الأوروبي، “إن الاتحاد الأوروبي لا يوافق على حقيقة أن قرار الولايات المتحدة فرض حظر على السفر اتُّخذ من جانب واحد ودون استشارة”.

وتبع ذلك، الإثنين 23 مارس/آذار، بتصريح يشير إلى أنه “قد اتخذ القرار بالفعل”، حيث قال إنه يدرس كيفية إعادة فتح الاقتصاد الأميركي بعد انتهاء فترة الإغلاق 15 يوماً في الأسبوع المقبل، مضيفاً في مؤتمر صحفي بالبيت الأبيض: “أميركا ستفتح مرة أخرى وبسرعة أمام النشاط التجاري”.

رئيس الدولة القائدة في العالم إذن يضع نصب عينيه الانتخابات الرئاسية في نوفمبر/تشرين الثاني قبل أي شيء آخر، ولو تمثَّل ذلك في وباء يهدد حياة البشر حول الكوكب، وتطلب مواجهته إجراءات حاسمة، أهمها التباعد الاجتماعي؛ لاحتوائه حتى يتمكن العلماء من التوصل إلى القاح للفيروس، وهو ما قد يستغرق عاماً أو عاماً ونصف عام.

 

هل يكون العالم ما بعد كورونا بقيادة أخرى؟
وكما يقول سايمون رايتش البروفيسور في قسم الشؤون العالمية وقسم العلوم السياسية بجامعة روتجرز في نيوآرك بمقال له بعنوان: “نهاية قيادة أميركا للعالم“، بناء أي قوة لوضعها كقائد عالمي يستغرق وقتاً وجهداً، ويتطلب استراتيجية طويلة الأمد تلتزمها للنهاية، لكن وضع القيادة هذا يمكن فقدانه بطريقتين: الأولى تكون درامية من خلال تكاليف ثقيلة لحرب تُنهي اقتصاد البلد حتى لو انتصرت تلك القوة في الحرب (بريطانيا العظمى خرجت منتصرة مع الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، لكن تكلفة الحرب أزاحتها عن قيادة العالم لصالح الولايات المتحدة).

أما الطريقة الثانية فتكون تدريجية وتحدث من الداخل، وتشمل تحولاً ثابتاً عن الاستراتيجية طويلة الأمد نحو التركيز على المصالح قصيرة الأمد والبلطجة بدلاً من التعاون مع الدول الأخرى، وأبرز انعكاس لذلك التحول فرض عوائق تجارية وقائية من جانب الدولة القائدة تجاه الدول الأخرى، وهنا يبدو المقصود هو الرسوم والتعريفة التي يفرضها ترامب على البضائع الصينية واستخدمها ضد تركيا والمكسيك، ويهدد باستخدامها ضد أوروبا واليابان والهند وبقية دول العالم.

وعلى سبيل المثال، بَنَت بريطانيا العظمى زعامتها للعالم على التجارة الحرة، ولكنها اتخذت أول إجراءاتها الوقائية في السنوات الأولى من القرن العشرين، لتأتي الولايات المتحدة وتزيحها من على عرش قيادة العالم بعد نحو أربعة عقود، وربما يكون من قبيل المصادفة في هذا الشأن أن أول إجراءات اقتصادية وقائية أمريكية اتخذها رونالد ريجان ضد اليابان قبل أربعة عقود أيضاً!