Beirut weather 12.54 ° C
تاريخ النشر March 23, 2020 06:23
A A A
التباينات الحكومية تبطئ ولادة خطة الإنقاذ
الكاتب: مجد بو مجاهد - النهار

ليست مهمة “حياكة” خطة اقتصادية إنقاذية على قياس الأزمة اللبنانية، مسألة بهذه البساطة أو السهولة المتداولة. تحتاج أي خطة إلى أن تحبك متناولة مفاصل القطاعات الإنتاجية وأضلعها، شرط أن تتناسق مقاييسها مع بعضها البعض. كأن المهمة أشبه بخياطة قميص مفصّل على قياس جسد الدولة. لا يكفي الترقيع وحده. تدور الإشكالية الأساسية حول تصميم قميص من هذا النوع. تتنوع الآراء والطروحات بين وزراء الحكومة الواحدة. تفيد المعلومات أن التباينات في الآراء تطاول أكثر من مفصل أساسي للتوصل إلى تصميم موحد للقميص الاقتصادي.
ويشكل الملف المصرفي محط التباين الأساسي بين الوزراء، في شقين أساسيين: أولهما الجهة التي لا بد من أن تحوز الصلاحيات في تطبيق “الكابيتال كونترول”، أكانت حاكمية المصرف المركزي أو جمعية المصارف أو مجلس الوزراء. وثانيهما الاحتكام إلى مبدأ “قص الشعر” (هيركات) وكيفية تطبيقه في حال اعتماده. يؤيد بعض الوزراء “قص الشعر” باعتبار أن لا مفر منه، ويعارضه بعض آخر منهم. ويمكن التأكيد أن الخيارات الممكنة لا تزال قيد الدرس، ولم يتوصل حتى اللحظة إلى اتجاهات واضحة. يتمثل العنصر الأهم في العقل الاقتصادي بضرورة بلورة خطة متجانسة ومتكاملة. وتكمن أهمية تجانس الخطة وتكاملها في أنها الخطوة الأولى على طريق الخروج من الأزمة العميقة. وتوجَّه انتقادات إلى منهجية عمل الحكومة في التعامل مع الشؤون المالية والاقتصادية. وتسطّر ملاحظات إلى ضرورة معالجة مجلس الوزراء موضوع “الكابيتال كونترول” انطلاقاً من خطة متكاملة وعدم النظر إلى هذه الزاوية من وجهة مصرفية وحسب.
وترى مراجع مالية أن سبب “الكابيتال كونترول” عدم قدرة المصارف على إعطاء أموال الناس وضرورة صرف ما تبقى من احتياط وفق الأولويات والمواد الضرورية. وتعوّل على أهمية معالجة قضية معاملة المودعين بطريقة متساوية وحماية صغار المودعين، لكنها تتساءل عن كيفية تحقيق ذلك من دون الاتفاق على خطة واضحة وضخ أموال في البلاد.
لا يمكن معاملة المودعين بطريقة أفضل من دون أهداف اقتصادية بعيدة المدى ومن دون معالجة المشكلة الاقتصادية. وتفيد المعلومات أن خشية المودعين الكبار من الاحتكام إلى “قص الشعر” تدفع فئات منهم إلى توزيع قيمة ودائعهم على أكثر من حساب مصرفي، وهذا ما يطرح علامات استفهام حول قدرة الحكومة على حماية صغار المودعين وكيفية مقاربة الموضوع وتقديم الدولار والمعاملة بالمثل. وتطرح إشكاليات مهمة حول كيفية التعامل المتساوي مع أصحاب الودائع المتفاوتة، ومن الأمثلة على ذلك عدد المودعين اللبنانيين الذين يسددون تكاليف دراسة أولادهم خارج لبنان ويحتاجون إلى تحويل مبالغ بالدولار إلى الخارج. وتجدر اشارة متابعين هنا إلى ضرورة ضمان حق المودع صاحب وديعة قيمتها أربعون ألف دولار في تحويل الأموال إلى ابنه في الخارج مثلاً، مع حق صاحب وديعة تتجاوز المليون دولار إلى تحويل الأموال. فهل ذلك سيتاح عبر الإجراءات الحكومية؟
لفت موقف لوزير المال غازي وزني أوضح عبره أن سياسته تقتضي الحفاظ على أموال المودعين باعتبارها حقاً مقدساً لأصحابها. وتوقف خبراء عند الرقم مئتي ألف دولار الذي تناوله وزني. وفهم تناول هذا الرقم على قاعدة أن المودعين تحت سقف مئتي ألف دولار يشكلون أكثرية الودائع. يتراءى في وجهة النظر الاقتصادية أن هناك حلولاً متفرعة يمكن اعتمادها في هذا الشأن منها تحويل الودائع الكبيرة إلى أسهم يتملكها أصحابها في المصارف أو أسهم في شركات تابعة للدولة. لا يمكن لإعادة هيكلة المصارف أن يمثل إجراءً مجتزأً، ولا بد له أن يشكل تفصيلاً في خطة اقتصادية متكاملة. لا يغيب عن المتابعين مشهد إفلاس بنك إنترا وما لحقه من إجراءات اتبعت مع المودعين منها إعطاؤهم أسهماً في شركة إنترا. ويشيرون إلى أن قسماً من المصارف مفلس اليوم من منطلق عملي، باعتبار أن الخسائر كان لها أن طيّرت رساميل بعض المصارف. وتقتضي إجراءات إعادة الهيكلة بتصفية عدد من المصارف شبه المفلسة، لكن ذلك لا يلغي واقع أن هناك مصارف مهمة في البلاد ولا تزال تحافظ على وضع جيد من ناحية ملاءتها ولا بد لها من الاستمرار. ويترجم ذلك عبر تأمين المساهمين أموالاً أو تحويل أصحاب الودائع الكبيرة إلى مساهمين. ويضاف إلى ذلك أن لا مصلحة للدولة في إفلاس المصارف الضخمة باعتبار أن قيمة ودائعها كبيرة.
في الخلاصة، لن يبدّل “الكابيتال كونترول” أي تفصيل، باعتبار أنه ينفّذ اليوم لكنه غير مقونن. لا بد من طرف خارجي يؤمّن أموالاً هو صندوق النقد الدولي. تحديد الهدف الاقتصادي هو الأساس. يتوجب على الخطة الاقتصادية أن تعالج الأوضاع المالية جذرياً وتساهم في تنشيط الاقتصاد.