Beirut weather 24.36 ° C
تاريخ النشر February 14, 2020 05:09
A A A
خياران أحلاهما مرٌّ وثالثٌ قيد الدرس.. الحكومة تواجه اختبارها الأول
الكاتب: محمد حمية - البناء

هل يدفع لبنان استحقاقات ديونه المستحقة في 9 آذار المقبل والمقدّرة بمليار و300 مليون دولار أم لا أم يذهب إلى خيارات أخرى؟

هذا الاستحقاق الداهم والهام لما يرتّبه من تداعيات مالية وقانونية تتصل بمستقبل لبنان الاقتصادي والمالي والنقدي وبالتالي السياسي والكياني، يشكل أول اختبارات الحكومة الجديدة بعد نيلها الثقة النيابية.
تحوّل مجلس الوزراء مدعوماً من رئيسي الجمهورية والمجلس النيابي الى «خلايا عمل وطوارئ» استعداداً للمواجهة المقبلة، فكان يوم أمس مالياً ومصرفياً بامتياز، حيث عقدت لقاءات متتالية توزعت بين قصر بعبدا والسرايا الحكومية.
وكانت بداية النهار المالي الطويل اجتماعاً في بعبدا برئاسة الرئيس ميشال عون وحضور رئيسي المجلس نبيه بري والحكومة حسان دياب ووزراء المال والدفاع والاقتصاد وحاكم البنك المركزي رياض سلامة ورئيس جمعية المصارف سمير صفير، وتقرر خلاله تأليف لجنة برئاسة رئيس الحكومة وعضوية وزيري المال والاقتصاد وسلامة وصفير وخبراء قانونيين يمثلون صندوق النقد الدولي ستبدأ اجتماعاتها خلال أيام لدراسة الحلول المطروحة وعرضها على اللجنة المالية التي تضمّ الرؤساء ثم عرضها على مجلس الوزراء لاتخاذ القرار النهائي حيالها في مهلة أقصاها نهاية شباط الحالي. كما تمّ التوصل الى تفاهم حيال «الكابيتال كونترول»، يقضي بأن يصدر تعميم واضح في اليومين المقبلين من مجلس الوزراء لوضع حدّ للاستنسابية في التعاطي بين المصارف والعملاء.
وتبلور توجّه لدى الغالبية الوزارية باتجاه التفاوض لعدم سداد الديون، لا سيما حزب الله وأمل والتيار الوطني الحرّ إضافة الى رئيسي الجمهورية والحكومة في مقابل “فيتو” من الحاكم رياض سلامة ورئيس جمعية المصارف الذين أصروا على سداد الديون في موعدها وعلى الاقل استحقاق آذار ثم التفاوض على استحقاقي نيسان وحزيران. ويضغط الثنائي في هذا الاتجاه لكن المخاطر التي ينطوي عليها هذا الخيار بحسب مطلعين هو أن الدائنين في استحقاقات نيسان وحزيران سيطالبون المعاملة بالمثل أي بدفع ديونهم في أجلها.
فيما تعتبر جهات سياسية أن اللجوء الى الخيار الثالث لن يكون سهلاً وسيرتب مواجهة ضارية لما له من أبعاد سياسية أكثر من مالية لا سيما أن سلامة كما عُلِم يفاوض الحكومة والدولة نيابة عن الرئيس سعد الحريري والمنظومة المالية التي تدور في فلكه محلياً وخارجياً وخليجياً، علماً أن مصادر خليجية حذرت من تخلف لبنان عن سداد الديون.
وبحسب مصادر لـ”البناء” فإن انتصار الخيار الثالث يعني المسّ بالمنظومة الحريرية المالية منذ ثلاثة عقود وسقوط تدريجي لسياسة رياض سلامة كما ستكشف عن خفايا مذهلة لسياسة الهندسات المالية.
وبحسب المعلومات، فإن اللجنة المالية المشكلة ستجري دراسة علمية بالأرقام لكل خيار من الخيارات ومدى انعكاسه المالي والقانوني على لبنان. والخيارات هي الدفع – أو تجميد الدفع وهذان الخياران أحلاهما مرٌّ، بحسب مصادر مالية مطلعة لـ”البناء”. فالأول سيمسّ بالاحتياطات المتبقية في مصرف لبنان ما يؤثر على قدرة الدولة على تغطية العجز في الموازنة لا سيما الكهرباء وعلى استيراد المواد الأساسية والمحروقات ما يهدد الأمن الغذائي فضلاً عن قدرة الدولة على دفع رواتب موظفي القطاع العام. والثاني ينال من الأمن المصرفي ويرتب إجراءات قانونية من قبل الدائنين بحق الدولة اللبنانية واهتزاز الثقه الدولية بلبنان، ويبقى الخيار الثالث قيد الدرس هو استبدال السندات المستحقة في آذار بسندات طويلة الأجل عبر التفاوض مع الدائنين بمشورة صندوق النقد الدولي. وهذا الخيار بات قرار الحكومة النهائي بانتظار دراسة اللجنة وبدأت ملامحه تظهر بتعميم المصرف المركزي تخفيض الفوائد على الودائع تمهيداً لتخفيضها على السندات ايضاً.
ولتسهيل التفاوض تمت الاستعانة بالمادة 52 من الدستور: “يتولى رئيس الجمهورية المفاوضة في عقد المعاهدات الدولية وإبرامها بالاتفاق مع رئيس الحكومة”.
وهنا يطرح سؤال هل يحتاج سداد ديون آذار الى اتفاقية دولية طالما أن معظم الدائنين محليون؟
توضح مصادر لـ”البناء” أن “طبيعة السندات التي عرضتها وزارة المال ومصرف لبنان في العام 2010 للاكتتاب هي سندات دولية بمعزل عن جنسية حامليها فضلاً عن أن ثُلثيهم أصبحوا من الاجانب اضافة الى ان صندوق النقد الدولي بات ايضاً جهة للتفاوض ما يتطلب مفاوضات خارجية تندرج ضمن المادة 52 من الدستور”.
في المقابل تذهب بعض المصادر الى القول إن “إشراك صندوق النقد وإن بدور استشاري فقط ينطوي على نية لبنانية لتوريط صندوق النقد بالمسؤولية بأي قرار يتخذه لبنان وشرعنته دولياً”. وأوضحت أوساط بعبدا لـ”البناء” أن “لدى رئيس الجمهورية صلاحية تفويض مَن يشاء للقيام بالمهمة المطلوبة المنصوص عنها في المادة 52 ورئيس الجمهورية فوّض رئيس الحكومة ووزير المال للتفاوض مع الجهات الخارجية إن مع الدائنين أي حاملي السندات الأجانب والمحليين أو مع صندوق النقد الدولي فضلاً عن ان لبنان عضو في المؤسسات الدولية المالية”.
وتبرز مخاوف بأن تكون الاستعانة بصندوق النقد تقنياً مقدمة للاستعانة به في عملية السداد، وبالتالي وضع رقبة لبنان تحت سيف شروطه المالية والسياسية؟
تجيب مصادر رسمية على هذا بالقول لـ”البناء” إن “دور صندوق النقد يقتصر على الاستشارة الفنية وليس المساعدة المالية، والحكومة لن تطلب المساعدة لا في سداد الديون ولا عبر قروض مالية، بل فقط بإرسال خبراء ماليين وقانونيين دوليين للانضمام الى اللجنة المالية لإسناد لبنان بالخبرات وكيفية التعامل مع حالات التخلف عن السداد، علماً ان الكثير من الدول واجهت الأمر نفسه ولجأت الى خيار وقف السداد”. وعلمت “البناء” أن الخبراء الأجانب سيصلون الى لبنان خلال أيام.
لكن هل يربط صندوق النقد أو الجهات المانحة المساعدات المالية الى لبنان بسداد الديون؟
تجيب المصادر نفسها بأن “صندوق النقد لا يفرض شروطاً، علماً أن دوره لا يتعدى الاستشارة التقنية اما الجهات المانحة والدول القيمة على مؤتمر سيدر فلا تربط بين الدعم والديون، بل بأمور أخرى كإجراء اصلاحات جذرية في المالية والادارة كرفع الضرائب وخفض الرواتب ومكافحة الفساد”.
لكن في ضوء بحث الخيارات والخوف من استخدام ما تبقى من احتياطات في مصرف لبنان في عملية سداد الديون، كيف ستقرّر الحكومة أي الخيارات يناسب لبنان والاقل كلفة على الخزينة وأكثر حماية للاحتياطات وسمعة لبنان، فيما المعنيون في الحكومة والوضع المالي لا يعرفون حقيقة الأرقام والموجودات المالية والنقدية في المصرف المركزي؟ ولماذا لم يستجب سلامة حتى الساعة الى طلبات رئاستي الجمهورية والحكومة ووزارة المال بتقديم تقرير مفصل وواضح عن وضع المصرف؟
مصادر اللجنة المالية أكدت لـ”البناء” بأن “سلامة وعد الرؤساء بأنه سيقدّم تقريراً الى اللجنة المالية خلال أيام يتضمّن كل المعلومات والأرقام بعدما ألزمته اللجنة والحكومة بذلك”.
ويبقى خوف من نتائج قانونية قد تترتب على لبنان فيما لو فشلت المفاوضات مع الدائنين في الخيار الثالث!
وقد اتسمت اجتماعات الحكومة ولجنتها المالية بالجدية وبنية المواجهة وبغياب أي سجالات ونكايات سياسية على عكس الحكومات السابقة، مع نشاط بارز للوزراء لا سيما النساء منهم، وتحديداً نائب رئيس الحكومة وزيرة الدفاع زينة عكر عدرا التي تصرّ على حضور كل اجتماعات المجلس والمشاركة في المناقشات، وبالتالي سلوك الوزيرة كرس منصب نائب رئيس مجلس الوزراء الدستوري الذي غيّب في حكومات سابقة، وأيضاً وزيرة العدل ماري كلود نجم التي وصفت بصاحبة الشخصية القوية والتي تحضّر ملفاتها جيداً. فقصر بعبدا بحسب ما بدا أمس أشبه بـ”ثكنة طوارئ اقتصادية مالية” كما لو أنه أمام اتخاذ قرار مصيري بالحرب. وتقرّر أن يجتمع المجلس كل خميس بجدول أعمال والإثنين في جلسات خاصة مخصصة لدراسة مشروع معين اذا كان جاهزاً. ولفت تعهّد جميع الوزراء بعدم الترشح الى الانتخابات النيابية المقبلة لعدم استغلال منصبهم انتخابياً وسياسياً، ما دفع للتساؤل هل إقرار قانون انتخاب وإجراء انتخابات نيابية من أولويات الحكومة؟ كما تعهّد الوزراء تقديم تقارير عن حساباتهم المالية وأملاكهم وأعمالهم.
وانسحب النقاش المالي في اللجنة المالية على جلسة مجلس الوزراء التي عقدت في بعبدا أمس، برئاسة عون وتمّ عرض النقاش في الاجتماع المالي الصباحي.
وكانت التطوّرات الأمنية حاضرة في الجلسة فتم التشديد على تعزيز التنسيق بين الأجهزة الأمنية، كي لا يتكرر ما حصل في الاوزاعي. ولم يتقرر إقفال المعابر بخصوص وباء “الكورونا”، بل نقل من يشتبه في اصابته الى الحجر الصحي، على أن تصل تجهيزات فحوص الى لبنان من منظمة الصحة العالمية.