Beirut weather 21 ° C
تاريخ النشر August 9, 2016 04:08
A A A
«نقاط ساخنة» في العالم… قد تُغرق البشرية في جحيم الحرب!
الكاتب: عماد المرزوقي - الراي

منطقة الشرق الأوسط وايران، الدول الأوروبية الشرقية المتاخمة لروسيا، وجزر بحر جنوب الصين… بقع ساخنة في العالم اليوم، تستقطب اهتمام القوى العظمى اليها في صراع مصالح ونفوذ… حالة تسبق دق طبول الحرب، في المنظور العسكري، لكن خبراء ومحللين يستبعدون ان تتورط القوى العظمى – مهما اختلفت مصالحها في هذه المناطق الثلاث – أبعد من قرع الطبول او «حرب محدودة» عبر أطراف محلية، في محاولة للنأي عن الانجراف الى حرب شاملة قد تغرق البشرية في جحيم الموت.

جحيم بدأ يستعد لمواجهة احتماله وقوعه حلف شمال الاطلسي (الناتو) بـ «استعراض عضلات» على حدود روسيا – اوروبا الشرقية، من خلال مناورات عسكرية مشتركة، برية وجوية، او بحرية، في استفزاز واضح وتحت أعين، اسطول البحر الاسود الروسي، او من خلال نشر قوات خاصة على الحدود، خصوصاً البولندية والأوكرانية، وصولا الى نشر الدرع الصاروخية الاميركية في بولندا، في حين يمكن، بين الحين والاخر، رصد تحركات لحاملات طائرات اميركية في بحر جنوب الصين بعد تصاعد استفزازات «التنين الصيني» وتلويحه بقوته المتنامية امام جيرانه خصوصاً تايوان، واليابان – أهم حلفاء واشنطن – والتي توترت علاقتها في شكل متصاعد في الفترة الأخيرة مع بكين حول أحقية السيادة على جزيرتين. المخاوف من مواجهة بين الكبار، دفعت بالقوى الكبرى الى تعزيز الانفاق على تطوير أسلحة تدميرية أكثر رعباً مما يمكن تخيله ويمكنها ابادة ملايين البشر في وقت واحد.

احتمالات حرب عالمية محدودة مسرحها حدود أوروبا الشرقية او جنوب بحر الصين، من شأنها أن تشغل القوى العظمى عن التدخل في حروب خارجية اخرى، اهمها تلك المندلعة في الشرق الأوسط. كما ان اشتعال اي حرب بين الكبار سيؤدي إلى انسحاب نسبي لقوات هذه الدول نحو مناطق الصراع، واحتمال هذا الانسحاب قد يترك فراغاً تستغله قوات نظامية وغير نظامية لتصفية حساباتها. ويعتبر اللواء المتقاعد صابر السويدان، الذي يستبعد حصول أي حرب نظامية بين القوى الكبرى حالياً انه «في حال انشغال واشنطن في حرب كونية، فان ابعد ما يمكن حصوله في الشرق الأوسط على اثر ذلك، هو احتمال قيام ايران باستغلال الفرصة لضرب اهداف أميركية في الخليج واستفزاز جيرانها عسكرياً». لكن «مثل هذا السيناريو حتى وان كانت الولايات المتحدة منشغلة في حرب ضد روسيا او الصين، فانه مستبعد حصوله» وفق السويدان «نظرا لأن القوات الأميركية لن تنسحب تماماً من الخليج من اجل الحفاظ على مناطق النفوذ، وأن اي استهداف لقوات أميركية في المنطقة سيترتب عنه تدمير ايران».

لكن واشنطن اليوم عينها، ليس على ايران، بقدر ما هي على زيادة التفوق العسكري على الصين وروسيا معاً. فحرص وزارة الدفاع الاميركية (البنتاغون)، على طلب مزيد من الأموال للانفاق العسكري وتطوير برامج صاروخية ومقاتلات وغواصات نووية، يضع واشنطن أمام سيناريوهات حرب كونية ونووية ضد روسيا والصين. وكان وزير الدفاع الأميركي آشتون كارتر كشف في مستهل هذا العام عن ميزانية البنتاغون التي قاربت حسب تقارير نحو 600 مليار دولار للسنة المالية 2017. وحتى وقت قريب، أوضح كارتر أن «القوات الأميركية تستعد إلى حد كبير لهزيمة القوات المسلحة وغير النظامية، مثل حركة طالبان في أفغانستان». لكن وزارة الدفاع الأميركية أعدت في الوقت نفسه لـ «العودة إلى المنافسة بين القوى العظمى، بما في ذلك إمكانية حرب شاملة مع أعداء مثل روسيا والصين».

مثل هذا السيناريو لحرب تقليدية بين القوى الكبرى «غير وارد على الاطلاق في هذه الفترة رغم التحركات والتهديدات التي تمارسها القوى العظمى»، وفق ما يكشف المحلل السياسي عايد المناع الذي «لم يستبعد في الوقت نفسه ان تكون حرب وكلاء القوى العظمى هي الأرجح في الفترة المقبلة. فقد تشتد الحرب بين حلفاء واشنطن وموسكو في الشرق الأوسط».

«كما يمكن ان نشهد حرباً طاحنة ايضا بين اليابان والصين في المحيط الهادىء. او يمكن ان تنشب الحرب بين قوات أوروبية مدعومة اميركياً ضد روسيا على حدود اوكرانيا»، يضيف المناع. ويعتقد أيضا أن «تعارض تدخلات كل من واشنطن وروسيا خصوصا في الصراع في سورية لم يدفع الى تصادم القوتين اللتين موجودتين على طرفي نقيض في الشرق الأوسط لكنهما ينتهجان حسابات دقيقة تبعدهما عن مواجهة مسلحة».

541024_031805_Org__-_Qu65_RT728x0-_OS886x541-_RD728x444-

لكن ورغم التصريحات النافية لحدوث اي عمل عسكري بين القوى الكبرى، فان زيادة احتمالات الحرب، وفق ما نشره تقرير لصحيفة «ذي نايشن» الأميركية، تفيد بان «التوتر المبطن موجود رغم ان ديبلوماسية القوى الثلاث توحي بتفاهمات وتقارب في قضايا كثيرة، الا انه على الأرض يبدو ان الأمور تسير عكس ذلك». فالتجييش الذي تقوم به الولايات المتحدة بنقل واعادة توزيع الأساطيل والجيوش وحاملات الطائرات اكثر من مرة في عام واحد تجاه مناطق جنوب بحر الصين واوروبا، يشيران الى سخونة هذه المناطق، لكنها تبقى براكين ساكتة او خامدة تنتظر استفزازاً لتنفجر. ومن اجل ذلك كان اجتماع حلف «الناتو» الشهر الماضي، لتدارس احتمالات الحرب ضد موسكو على اثر زيادة التدخل الروسي في شؤون الدول السوفياتية السابقة ومحاولة التأثير في الداخل الأوكراني واعادة سيطرة الكرملين على الدول التي تمثل نقاط التماس بينه وبين دول غرب اوروبا.

إلا انه ورغم تعزيزات «الناتو» على حدود بولندا مع روسيا وكذلك اوكرانيا، والتي ردت عليها موسكو بتعزيزات مماثلة، يتمسك خبراء عسكريون باستبعاد احتمال قرب المواجهة العسكرية بين الكبار في الوقت الحالي. ويعتبر العقيد طيار متقاعد عبد الكريم الغربللي ان «ما يجري من تحركات عسكرية للقوى العظمى نحو نقاط ساخنة في العالم، هو تنافس على ميزان القوة ولا يعني حتما زيادة احتمالات المواجهة بين الروس والأميركيين والصينيين، فهم يدركون جيداً خطر تداعيات الحرب بينهم». ويضيف الغربللي انه «رغم وجود استفزاز سياسي وعسكري بين واشنطن وموسكو، الا ان المناخ السياسي الحالي خصوصاً مع اقتراب الاستحقاق الانتخابي الأميركي، فضلا عن سياسة الرئيس الأميركي باراك أوباما غير التصعيدية، لا تعتبر ظروفاً محفزة على مواجهة عسكرية». ووصف التقارير التي تتحدث عن احتمالات مواجهة عسكرية بين الكبار بمثابة «فقاعات اعلامية للاثارة ولا تعكس حقيقة التوزانات بين القوى العظمى» التي تجنب الحرب المباشرة منذ اكثر من 70 عاما.

لكن عشرات التقارير الاعلامية الأميركية والأوروبية خصوصاً، تحدثت بين يوليو وبداية أغسطس عن احتمالات حرب تتجه اليها القوى العظمى، ولعل آخرها تقرير لصحيفة «نيويورك تايمز» أشارت فيه «الى احتمال نشوب حرب أميركية – روسية قد يتسبب فيها استفزاز عسكري روسي للقوات الأميركية المشاركة في الحرب في سورية والداعمة لفصيل معين ضد نظام تدعمه موسكو».

الى ذلك نقل موقع «فويس اوف اميركا»، أنه ردا على التعزيزات العسكرية التي قام بها حلف الناتو على حدود روسيا مع أوروبا الشرقية، فان «القوات العسكرية الروسية قامت بمراكمة مستمرة للآلياتها على طول حدودها مع أوكرانيا وهو ما يثير مخاوف من أن موسكو، التي ضمت شبه جزيرة القرم في العام 2014 قد تفكر في حملة عسكرية علنية ضد جارتها الجنوبية الغربية (كييف)».

ووفق تصريحات حديثة لوزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو، فمنذ العام 2013 اقام الجيش الروسي منطقة عسكرية متاخمة لجنوب أوكرانيا، وكذلك في منطقة شمال القوقاز المضطربة. وتعود عملية التعاظم العسكري لموسكو في المنطقة ردا على الوجود العسكري المتزايد لحلف شمال الأطلسي في أوروبا الشرقية.

لكن امام اصرار حلف الاطلسي على مواجهة تعاظم القوة الروسية على حدود اوروبا، اختار الكرملين تخفيف الصعيد ازاء الغرب وواشنطن عبر اقتراح نائب وزير الدفاع الروسي اناتولي انتونوف برنامج ايجابي «لتطوير العلاقات مع الناتو يهدف إلى خفض التوتر بين موسكو والحلف العسكري الذي تقوده الولايات المتحدة». وأكد أن روسيا مستعدة لإجراء حوار بناء مع حلف شمال الاطلسي رغم الاختلافات، والنتائج المترتبة على القرارات التي اتخذت في قمة للاتحاد الاوروبي في وارسو في تموز.

ووفق تقرير لصحيفة «ذي نايشون» الأميركية، فان «الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي يستعدان لحرب كبرى ضد روسيا». وتعكس مناورات عسكرية واسعة النطاق وزيادة القوات على الحدود الشرقية للناتو استراتيجية جديدة خطيرة. وللمرة الأولى في ربع قرن، اصبح احتمال نشوب حرب حقيقياً، والحرب بين القوى الكبرى هي على جدول أعمال القادة الغربيين الذين يناقشون خططا لتعزيز الجناح الشرقي للناتو من شركاء الاتحاد السوفياتي السابق، وهي دول البلطيق والبحر الأسود المتحالفة الآن مع الغرب وهي دول تخشى من هجوم عسكري تقوم به موسكو.وحسب «ذي نايشن»، فان «واشنطن وحلفاءها يدرسان جديا زيادة نشر قوات على طول السواحل الشرقية في كل من بولندا وليتوانيا ولاتفيا واستونيا المتاخمة لروسيا». كما سعت واشنطن إلى خطوات عديدة من تلقاء نفسها لتعزيز الحدود الشرقية لحلف الناتو.
ودعمت الإنفاق على «مبادرة الاطمئنان الأوروبي» بمبلغ سيقفز الى نحو 3.4 مليار دولار في 2017. جزء كبير من هذا التمويل الإضافي سيذهب إلى نشر لواء قتالي مدرع إضافي في شمال أوروبا. وكدليل آخر على عزم الولايات المتحدة والناتو للتحضير لحرب محتملة ضد روسيا، أجرت قوات التحالف أكبر مناورات عسكرية في أوروبا الشرقية منذ نهاية الحرب الباردة، المعروفة باسم «أناكوندا» عام 2016، وشارك فيها 31 ألف جندي (نصفهم تقريبا من الأميركيين) مع الآلاف من المركبات القتالية من 24 دولة في مناورات لـ «معركة المحاكاة» تتسع بداية من بولندا.ووفق «ذي نايشن»، فان «الانتشارالعسكري لحلف الناتو على حدود أوروبا الشرقية المتاخمة لروسيا يعكس النظرة الاستراتيجية الجديدة والخطيرة في واشنطن. فبينما كان في السابق ينصب التركيز الاستراتيجي على محاربة الإرهاب ومكافحة التمرد، تحول الآن إلى حرب تقليدية بين القوى الكبرى».

الا ان الغربللي يصر على «ان القوى العظمى كأميركا وروسيا والصين، تعمل ما في وسعها لتجنب الانجراف الى حرب شاملة»، فيما تورد الصحيفة أن «البيئة الأمنية اليوم هي مختلفة في شكل كبير عن تلك التي كنا بصددها طوال السنوات ربع القرن الماضي». واشار تقرير لصحيفة «واشنطن بوست»، إلى انه على مدى العقدين الأخيرين سعى الروس الى قفزة تكنولوجية في المعدات العسكرية وخصوصاً في استخدام طائرات من غير طيار في القتال. «وقد تكون المواجهة المستقبلية عبر هذه المعدات».

ورغم محاولات بث الطمأنينة في العلاقة، فان تقريراً تحليلياً لصحيفة «فاينانشال تايمز»، يوضح أن «التوترات الاستراتيجية آخذة في الارتفاع بين الولايات المتحدة والصين. وخلال العام الماضي، عملت بكين على إعادة فرض مطالب متنازع عليها في بحر الصين الجنوبي من خلال بناء الجزر الاصطناعية والمنشآت العسكرية عبر المحيط. ورداً على ذلك، عززت القوات البحرية الأميركية حضورها عمداً في هذه المنطقة المتنازع عليها، وهو ما اثار غضب بكين». ويعتبر التنافس بين واشنطن وبكين، احد المواضيع الأكثر خطورة في السياسة الدولية.

وفيما تسعى القوى الكبرى للسيطرة على مواقع نفوذ لها في العالم، ما زال يهمين شبح الهلاك من حرب كونية نظامية قد تنجرف اليها القوى الكبرى اذا احتدم الخلاف حول مصالحها الاستراتيجية رغم استبعادها على المدى القصير، لكن قد تفاجئ الحرب كل البشرية مثلما فاجأ «الربيع العربي» العالم بأسره!
***

541023_031806_Org__-_Qu65_RT728x0-_OS1417x893-_RD728x458-

قوات أطلسية خلال مناورات عسكرية في استونيا في منطقة البلطيق المتوترة

(Visited 1 times, 1 visits today)