Beirut weather 8.21 ° C
تاريخ النشر January 12, 2020 07:30
A A A
كشف المستور عن وجه أميركا الحقيقي
الكاتب: أبو الفضل صالحي نيا - الوطن السورية

لمعرفة الوجه الحقيقي لأعداء محور المقاومة وقتلة القائد الكبير الشهيد قاسم سليماني يكفينا أن يطالعنا الرئيس الأميركي دونالد ترامب بإحدى تغريداته على وسائل التواصل الاجتماعي مهدداً إيران باستهداف 52 هدفاَ إيرانياَ من بينها مواقع ثقافية سيتم قصفها وتدميرها إن ردّت إيران على عملية الاغتيال القذرة.
هذه التغريدة أو «الجعجعة» رغم ما لها من دلالات متعددة، إلا أنها تدل بكل وضوح وشفافية على وحشية وهمجية قادة من يدّعون ريادة الحضارة الغربية المعاصرة؛ يهددون باستهداف المواقع الثقافية المهمة، وهنا يقصد مواقع أثرية وتاريخية ترمز إلى الحضارة والعلم والفكر المتجذر في التاريخ، فهذا التهديد يوضح عدة أمور من جملتها:
– الإرث الحضاري والمواقع الثقافية التاريخية ليس لها أيّ قيمة وأهمية لدى الغرب الوحشي متمثلاَ بالولايات المتحدة الأميركية، لأن حضارتهم بنيت على التوحش والاحتلال والإبادة وتشكلت حضارتهم بلا روح ومعنوية وتطورت في الجانب المادي فقط، التهديدات الأميركية ليست مجرد كلام بل هو المنهج الذي تتبعه الولايات المتحدة على أرض الواقع، فليس مستغرباَ أن عملاءها التكفيريين أول ما يقومون به بعد غزو أي منطقة هو تدمير المعالم الحضارية التاريخية وتهديم الإرث الثقافي، وهذا ما حدث في العراق وسورية، كذلك ليس غريباً عنها دعم تصرفات حلفائها في تدمير المعالم الحضارية في شتّى أنحاء العالم؛ كما نرى في تصرفات الكيان الصهيوني في الإرث الحضاري والتاريخي المسيحي والإسلامي وأيضاً نراه في تدمير الآثار والمواقع التاريخية في اليمن بدعم أميركي وبأدوات إقليمية.
اللافت للنظر هنا أيضاً عدم تحرك الغرب عامة مقابل هذا الخرق الفاضح للقانون الدولي وهذا يدل على النفاق الذي يمارسونه في تعاملهم مع القضايا الدولية، رأيناهم يمزقون حناجرهم صراخاَ وبكاءً على قيام طالبان بتخريب تمثال بوذا في أفغانستان ولم نر تحركاَ ولو ظاهرياَ لتدمير داعش أثمن الآثار التاريخية في سورية والعراق.
– الحروب والمؤامرات ضد دول المنطقة تستهدف الإرث الحضاري بشكل ممنهج لهذه الدول التي كانت مهداَ لتكوين الحضارات، والمستشرقون الغربيون، وهم كثر، كتبوا عن الحضارات العريقة لإيران وللعراق ولسورية وللبنان عبر التاريخ، وتحدثوا عن قيمة ما قدمت هذه الحضارات إلى البشرية، ولكن العالم بأسره يشاهد كيف يتم استهداف كل ما يشير إلى الحضارة والمعرفة في العراق وسورية بالتهديم أو بالسرقة، وسوف يرى العالم في مستقبل ليس ببعيد وجود القطع الأثرية الثمينة لهذه الدول في أشهر وأهم متاحف الغرب أو في المجموعات الشخصية تماماَ كما الآن المتاحف الغربية غنية بآثارنا التاريخية المسروقة سابقاَ خلال عمليات التنقيب والاكتشاف بذرائع علمية وبحثية.
– عنجهية وهمجية قادة أميركا، حيث ليس لديهم أي خط أحمر لتحقيق مبتغاهم ولو اقتضى الأمر النكوث بما تعهدوا والتزموا بتوقيعهم المواثيق والمعاهدات الدولية.
إن الولايات المتحدة الأميركية ليست فقط دولة مارقة بل أيضاً دولة ناكثة لا يمكن توقع الالتزام بما وقّعوا وتعهّدوا، فكيف يكون وضع العالم والعلاقات الدولية لو سرّى هذا النهج الأميركي إلى دول أخرى؟
بالأمس غير البعيد كتب المنظّــر الأميركي فارد توماس في عام 2000 بأن هناك سنّة دولية بعدم القيام بالاغتيال الحكومي لأن من مصلحة الجميع عدم القيام بقتل بعضهم بعضاً، ولكن يبدو هذه السنّة أصبحت باهتة المفعول تدريجياَ، فمما أشار إليه توماس هو تشكل قناعة لدى الحكومات والدول بعد اندلاع الحرب العالمية الأولى بسبب عملية اغتيال ولي عهد النمسا، ولكن ما لم يذكره توماس عدم التزام أميركا بهذا الاتفاق اللامكتوب العالمي طوال عشرات السنين بعد الحرب العالمية الأولى إلى اليوم، وتأتي اليوم عملية اغتيال الفريق الشهيد سليماني تعبيراً صارخاً عن العنجهية الأميركية في خرق الاتفاقيات والمواثيق الدولية.
كم كبير من تغريدات الرئيس الأميركي ووزير خارجيته المليئة بالأكاذيب والافتراءات حول الشهيد سليماني لتبرير عمليتهم القذرة ومخالفة للأعراف والأخلاقيات لكونهم لا يتمتعون بأدنى درجة من الرجولة والشجاعة ليعلنوا أنهم اغتالوا من كان خصمهم وكان وراء إخفاق مخططاتهم التدميرية في المنطقة لأنهم أبناء وخريجو مدرسة الفكر الغربي المنبثقة من الحضارة الغربية المادية الخالية من المعنوية.
أليسوا هم من قدموا نظريات من أمثال «لا أخلاق في السياسة» و«لا صداقات دائمة في العلاقات الدولية» و«المصالح المادية هي الأولوية في العلاقات بين الدول» و«أكذب حتى يصدقونك» حتى أصبحت هذه النظريات أساس علاقاتهم الدولية! وهذا مالا يتوافق مع الإرث الحضاري والثقافي لمشرق العالم حيث هناك أخلاق في السياسة وهناك الصداقة من أجل الخدمة في العلاقات وكثير من الأخلاقيات في السياسة وفي العلاقات المجتمعية المنبثقة من حضارتنا وثقافتنا الشرقية والإسلامية.
ترامب يهدّد بتدمير مواقع مهمة ثقافية إيرانية إذا انتقمت إيران للشهيد سليماني وكرر تهديده في تغريدة أخرى فلم يكن هذا الموقف زلة لسان أبداً؛ بل هو تعبير عن نهج فكري وثقافة سياسية لدى القادة الأميركيين، تهديداتهم هذه تدلّ إما على جهل تام وإما إدراك عميق بأهمية إيران للعالم تراثياً لكونها تضم أهم مواقع التراث العالمي المدرجة باليونسكو، ثمّ هل يتجاهل ترامب أو قادته معرفتهم بالمعاهدات والمواثيق الدولية كمعاهدة لاهاي 1954 التي تعتبر استهداف المواقع الأثرية جريمة حرب! إذاً هنا لا فرق بينهم وبين داعش التي أينما حلّت دمّرت الإرث الحضاري ورموزه، ولم تجف بعد دماء العالم السوري خالد الأسعد على أعمدة تدمر وما زالت الأوابد المحطمة فيها شاهدة على العبث بالهوية التاريخية منذ عام 2017.
أشار ترامب أيضاً إلى العدد 52 وهو عدد الرهائن الأميركيين في طهران إثر استيلاء الطلاب الإيرانيين المعترضين على استقبال واشنطن لشاه إيران الهارب إلى السفارة الأميركية في طهران ويرمي من هذا، إثارة مشاعر الأميركيين وتصوير عملية الاغتيال القذرة أو العملية المفترضة القادمة بمنزلة انتقام أميركا لتلك الحادثة، وهذا ليس إلا استغلالاً رخيصاً من تلك الحادثة لا يقبله حتى المعنيون المباشرون بتلك الحادثة.
جون ليمبرت، كان إحدى الرهائن الـ52، رد على تغريدة الرئيس الأميركي: «لا أريد أن أكون جزءاً من قراراته لقتل الأناس أو تفجير «تخت جمشيد» (أحد أهم المواقع الأثرية في إيران)، السيد الرئيس إذا كنت تسمع صوتي أرجوك لا تتعب نفسك من أجلي».
على أي حال تصريح الرئيس الأميركي هذا، أثار بعض الجدل داخل أميركا وعارضته منظمة اليونسكو وآخرون من الدول والمؤسسات، إلا أنه أدى مفعولا عكسياً لدى الداخل الإيراني ليكون سبّباً في تقوية وحدة الصف والموقف بين كل الإيرانيين وأوثق التماسك الاجتماعي الإيراني ودعم موقف الجمهورية الإسلامية للرد على أميركا، وهذا ما أكدّه أستاذ العلاقات الدولية في جامعة هارفارد البروفيسور ستيفان في مقالته في موقع صحيفة «فارين باليسي» عن أبعاد ونتائج عملية اغتيال الشهيد سليماني.
هذا الاغتيال القذر وما تلاه من تهديدات ترامبية ووزير الدفاع، كان يهدف أيضاً إلى إذلال إيران وبثّ اليأس والخوف بين حلفاء إيران ضمن محور المقاومة، مفترضاَ عدم قدرة أو عدم تجرؤ إيران على الرد، ولكن ردّ إيران وهو ليس الرد بل بداية الرد، متزامناً مع دفن جثمان الشهيد وتماماَ في الساعة التي تم الاغتيال، أثبت مرة جديدة بأن الأميركيين لا يعرفون لا قدرات إيران العسكرية ولا المجتمع الإيراني ولا ثقافة صنع القرارات في إيران، كما أن هذا الرد طمأن حلفاء إيران وأثبت بأن محور المقاومة بخير.
إيران قامت بما وعدت وليس إلا بداية وتفاجأت أميركا بالرد وغيّــر ترامب خطابه ولكن هذا لا يغير شيئاً من حقيقتهم ولن يضع الرئيس الأميركي خيار ضرب المواقع الثقافية المهمة جانباَ، وهذا يتطلب من جانب استعداد إيران، ومن جانب آخر تصرف المؤسسات الدولية المعنية والدول والحكومات وليس فقط أخذ الموقف.
المستشار الثقافي لسفارة جمهورية الإسلامية الإيرانية في سورية