Beirut weather 26 ° C
تاريخ النشر December 14, 2019 06:26
A A A
جمهورية الاستحقاقات المؤجّلة
الكاتب: د. انطوان ز. صفير - الجمهورية

 

يتبيّن من خلاصة المؤتمرات والمواقف الدوليّة أنَّ سياسة التسويف والتأجيل والمماطلة وإمرار الوقت قد كلّفت أثماناً باهظة، وعرقلت مشاريع منتجة، وأجّلت استحقاقات دستوريّة وماليّة وإصلاحيّة، ممّا انعكس على الماليّة العامة المترنّحة تحت أعباء الديون والقروض والودائع، وكلَّها واقعة في ذمّة الدولة اللبنانيّة، وعلى صدور أجيالٍ ولدت أو ستولد مدينة للصناديق والمصارف والمُؤسسات الدوليّة والمحليّة.
وقد تبيّن مع الوقت عدم صحّة وعدم دقّة الكثير من الأرقام المطروحة على العموم، إذ تبيّن وجود عجز كبير وثقيل وخارج عن المنطق العلمي السائد في علم المالية العامة وإدارة المخاطر.
ولا يمكن لأيّ ضرائب أن تشفي أرقامه، أو تخفف وطأته، كما لا يمكن لأيّ سياسات إصلاحيّة شكلية وغير حاسمة، ولا لأيّ ديناميّة غير مُطلقة الشفافيّة من أن تُعطي نتائج مرجوّة على مجمل السياسات الماليّة والنقديّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة.
وقد تبيّن أيضاً وأيضاً أنَّ الطاقم الحاكم ومنذ عقود، لم يفقه لترسيخ مبادئ السياسات العامة Public Policies، بل أمعنَ في توطيد أواصر النظام الريعي القائم على المصروف غير المُنتج وغير المحسوب، وعلى شحذ الهم والأموال من كلّ حدب وصوب، مما أثقل الميزان المالي وجعل البلاد على مشارف الأفلاس الخطير.
أمّا اليوم، فالمسألة مُتعلقة أولاً بتشكيل حكومة تشبه أحلام المواطنين المخلصين والموجوعين. ولكن من يستطيع أن يجد تلك الطموحات «العاليّة السقف» على ما يصّفها بعض أهل السياسة الذين لم يزالوا في الماضي.
في الواقع، يشبه الناس كلّ من يأتي الى الحكومة ويقدّم بياناً بأملاكه وأمواله في لبنان والخارج ،هو وعائلته، ويكون شفافاً ومسؤولاً أمام المواطنين والقانون.
يشبه أحلام الناس من لم يجربوه في السلطة سابقاً أو أسبق، لأنَّ الوطن خزان لا ينضب من الشخصيات والكفاءات والخبرات، وإن أصَرَّ بعض الأعلام أو وسائل التواصل على تسويق هذا أو ذاك، رغم أنّ الإنتاج لم يكن على قدر الخطابات والمسرحيّات…
يشبه الناس من يتّخذ موقفاً عن علم وقناعة، ويسير دون حسابات ضيقة بالإجراءات الحاسمة بغية الحدّ من الفساد والإفساد وسياسة اللاموقف التي أوصلتنا الى ما وصلنا اليه.
إنَّ جمهوريتنا التي انحدرت معالم ديمقراطيتها الفتية أثناء الحرب وما بعدها، وتراجعت إنتاجيتها، وتقهقرت طموحات أجيالها بسبب الإقطاعيّة المستفحلة، والنفعية الوقحة، واللامبالاة اللامسؤولة، والتأجيل المكلف، والتسويف والتعطيل الذي شلَّ المؤسسات… دائماً في انتظار كلمة أو تسوية «بزنس».
لقد آن الآوان أن ننتقل من جمهوريّة الاستحقاقات المؤجلة الى دولة السياسات المنتجة، ومن عقليّة «البزنس» السياسي الى ذهنيّة الخدمة العامة Service Public حيث الفصل بين المفهومين والهدفين يجب أن يكون بعد 17 تشرين الأول واضحاً وصريحاً.