Beirut weather 4.24 ° C
تاريخ النشر December 10, 2019 06:32
A A A
فلسطين تتلاشى بتخطيط أميركي وابتهاج عربي!
الكاتب: د. وفيق إبراهيم - البناء

تواصل صفقة القرن الأميركية التهام فلسطين تدريجياً وسط صمت عربي متواطئ وتجاهل من قيادة فلسطينية تنام في معظم الأوقات ولا تستيقظ إلا لافتعال إشكالات مع اتجاهات فلسطينية اخرى.

لقد كان معتقداً أن هذه الصفقة تريد تنظيم تسوية تاريخية نهائية بين مناطق فلسطينية صغيرة وبين الكيان الاسرائيلي المحتل على اساس كانتون محدود للفلسطينيين الى جانب دولة اسرائيلية عظمى ترعاه وتشله حين تريد.

لكن ما يحدث اليوم، يؤكد أن لا مكان حتى لدويلة فلسطينية صغيرة في اطار المشروع الاميركي – الاسرائيلي الذي يعمل للسيطرة على كامل فلسطين المحتلة، ربما من دون غزة فقط.

 

 

ما هو الجديد في هذا الموضوع؟

اعلن الرئيس الاميركي دونالد ترامب أنه اعظم صديق لـ«إسرائيل» منذ نشأتها اي احتلالها لفلسطين بالمفهوم العربي، مضيفاً بأن صهره ومستشاره جاريد كوشنر يعمل على تحقيق سلام إسرائيلي فلسطيني، حسب مزاعمه، معتبراً بأن عجز صهره يعني بأن من المستحيل إجراء مصالحة بين الطرفين.

قد تكون لهذه التصريحات ارتباطات بالانتخابات الرئاسية الاميركية في 2020 التي ينوي ترامب فيها إعادة تجديد رئاسته ولاية جديدة، وهذا يعني حاجته لاصوات اليهود الاميركيين، ونفوذهم الكبير في عالمي الاعلام والمصارف في الولايات المتحدة الاميركية، لكن للقضية ارتباطات اعمق بالنفوذ الاميركي في الشرق الاوسط وليس لحاجة ترامب اليها بشكل منفرد، فلو لم تكن جزءاً محورياً من اهتمامات الجيوبوليتيك لما تجرأ ترامب ولا أي مرشح للرئاسة الاميركية من الاقتراب منها او التعرض لها ولو لغوياً.

للايضاح، فإن الاميركيين المتراجعين في الشرق الاوسط من البوابة السورية – الايرانية، بنوا على اساس ان انهاء القضية الفلسطينية يُعزز من قدرات حليفتهم «إسرائيل»، ويفتح الباب على سلام عربي اسرائيلي يدفع نحو حلف معادٍ لإيران ومانع في الوقت نفسه أي تقدم صيني – روسي.

فواشنطن تعرف ان السياسات العلنية لبلدان الخليج لا تستطيع عقد حلف علني مع «إسرائيل» من دون واحد من امور ثلاثة: تغطية فلسطينية من رئيس السلطة محمود عباس او اتساع مدى الدول العربية المعترفة بإسرائيل او بتسوية فلسطينية – اسرائيلية تنهي القضية بشكل شبه نهائي.

ضمن هذه المعطيات، تحرك صهر ترامب ومستشاره جاريد كوشنر بهدف إنهاء فلسطين جزءاً وراء آخر.

وسط صمت عربي وفلسطيني مستهجَن، ابتدأت حركته بمواكبة حركة اقليمية ضاغطة، انطلاقاً من الحصار الاميركي الخانق على إيران لِشل حركتها ومحاولات فتح مفاوضات سعودية – يمنية الى جانب تفجير العراق الى دول ثلاث انطلاقاً من تظاهرات مطلبية صحيحة، جرى حرفها عن مسارها الطبقي – الوطني مروراً بإجراءات فعلية، لتمزيق شرق الفرات السوري بين كانتونات متعددة وجشع اميركي للسيطرة على آبار النفط وصولاً الى لبنان لنسف وحدته الوطنية وإرباك الوظيفة الجهادية لحزب الله في التصدي لـ«إسرائيل» والارهاب ومحاولة قطع علاقاته بالمقاومة الفلسطينية في غزة والضفة.

هذه الأوضاع تجري بمواكبة إجراءات اميركية في فلسطين بدأها ترامب بنقل سفارة بلاده في تل أبيب الى القدس معترفاً بها كعاصمة لـ«إسرائيل» ومُقرّاً بيهوديتها بكل أقسامها.

للمزيد من الدفع الاميركي باتجاه انهاء القضية الفلسطينية الغى ترامب مشاركة بلاده في الاونروا، وهذا يعني عدم اعترافه بوجود نازحين من فلسطين، مطالباً الدول المستضيفة في لبنان وسوريا والاردن، بتوطين النازحين الفلسطينيين عندها، وتجنيسهم.

بذلك لا يبقى للفلسطينيين إلا غزة و65 % من الضفة الغربية كما كان الخبراء يعتقدون، لكن ترامب استمر بتسديد ضرباته، معترفاً بشرعية المستوطنات الاسرائيلية التي تلتهم 35% من الضفة الغربية، ويحاول تأمين ظروف تسيطر فيها «إسرائيل» على أغوار الاردن التي تصل مساحتها الى مليون وتسعمئة الف دونم من الاراضي الخصبة والاستراتيجية.

وبذلك تجمع «إسرائيل» بين كامل فلسطين باستثناء «بلدية محمود عباس» المحاصرة والمطوقة وغير القادرة على العيش من دون «إسرائيل»، مع نهر الاردن بكامله بحدود مع البحر والأردن وسوريا.

بهذه المواصفات فإن سقوط «بلدية أبي مازن» هي مسألة وقت لأن لا اتصال لها لا ببحر ولا بدولة مجاورة، فتلتهمها «إسرائيل» عند توفر الظروف الاقليمية والدولية.

لكن أطرف ما في الامر ان ترامب لم يكتفِ بإهداء فلسطين للعدو الاسرائيلي، بل أهداهم ايضاً الجولان السوري المحتل.

على هامش هذه الحركات الميدانية انبثقت حركتان متوازيتان، صمت فلسطيني من طرف محمود عباس اكتفى فيها بهمهمات لم تصل الى حدود الرفض لما يفعله المحور الاميركي – الاسرائيلي من إصرار على إلغاء فلسطين الفلسطينية والسورية والعربية، اما الحركة الثانية، فتتعلق بصمت عربي كبير ومتواطئ لم تخرقه إلا سورية التي حذرت من المخطط الاميركي الاسرائيلي وحزب الله الراصد كل الارهاب الاسرائيلي الاميركي.

ولا يمكن هنا نسيان الأدوار الجهادية لقطاع غزة المحاصر من مصر و«إسرائيل» والبحر في آن معاً، الذي يقاتل بشجاعة وندية الهجمات الإسرائيلية مسدداً صواريخه ومسيراته نحو «تل أبيب».

فهل تتلاشى فلسطين؟ ان استمرار غزة في صمودها الاسطوري وخروج المحور السوري والايراني وحزب الله والعراق من الاستهدافات الاميركية، كفيل بإسقاط المخطط الاميركي الجديد، ومنع تشكل حلف اسرائيلي مع الخليج. يكفي ان اليمن المحاصر يعلن يومياً انه مستعد لقتال «إسرائيل» في البحر الاحمر او السعودية نفسها. وهذا مؤشر على عجز الغرب والخليج عن اسقاط القضية الفلسطينية وإلغاء فلسطين التي يصرّ العرب وإيران على اعتبارها قضية المنطقة الأولى في وجه الانهيار الخليجي وتآمر الأميركيين والإسرائيليين.