Beirut weather 11.28 ° C
تاريخ النشر December 8, 2019 06:29
A A A
كيف تساعد التكنولوجيا في فك لغز النيازك التي تصل إلى الأرض؟
الكاتب: عربي بوست

ذات ليلة في يناير/كانون الثاني 2018، أشعلت كرة نارية غامضة السماء في ولاية ميشيغان الأميركية، وأعقبتها انفجاراتٌ قوية. لقد كان زائراً من الفضاء الخارجي؛ نيزكٌ تسبَّب في عشرات المكالمات إلى خدمة الطوارئ 911 وقطع من الحجر الداكن على الثلج.

ومنحنا ذلك الزائر أيضاً معلوماتٍ مهمة حول أصله؛ المكان الذي جاء منه في الكون. وهو أحد الألغاز التي لم يتمكن الفلكيون من حلها لسنوات؛ من أين يأتي جزء كبير من النيازك التي تصل إلى الأرض، نظراً لأنهم لا يستطيعون تتبع مسارها المحدد عبر الزمن (لأن هناك العديد من المتغيرات التي قد تؤثر على حركة النيازك).

ومع ذلك، يمكن للعلماء تحديد أكثر المسارات المحتملة التي تتخذها النيازك، ودراسة مداراتها المحتملة يمكن أن تساعد في الكشف عن مكان أكبر الكويكب الذي كان النيزك جزءاً منه يوماً ما.

في حديثه مع شبكة BBC البريطانية، يقول بيتر براون، الخبير في الكويكبات بجامعة ويسترن أونتاريو في كندا: «في هذه الحالة، العينة هي التي تصلنا. لا يتعين علينا الذهاب إلى العينة». على الرغم من حصولهم على عشرات الآلاف من النيازك على مر السنين، إلا أن العلماء لم يتمكنوا سوى من تتبع مدارات عدد صغير منها.

والآن، يبدو أن عناصر الحياة اليومية، التي لا علاقة لها على ما يبدو بالتكنولوجيا، تساهم بشكل غير متوقع في العلوم، كما حدث مع النيزك الذي وقع العام الماضي في ميشيغان بالولايات المتحدة.

 

 

تقنيات جديدة
كانت الدراسة التي بحثت أصل نيزك ميشيغان -أو نيزك هامبورغ، الضاحية الصغيرة التي سقط فيها في ديترويت- شكلاً جديداً من أشكال البحث.

جمع براون وزملاؤه معلومات ومقاطع فيديو حول المشاهدات في الشبكات الاجتماعية لإعادة بناء مدار محتمل. بعد ذلك، استخدم الفريق الصور التي التقطها العديد من الأشخاص باستخدام هواتفهم المحمولة لمعايرة ملاحظاتهم.

يقول الخبير: «نقضي الكثير من الوقت بحثاً في منصتيّ يوتيوب وتويتر». وجد الباحثون أن نيزك هامبورغ كان نموذجياً تماماً: من المحتمل أنه دخل الغلاف الجوي بكتلة تراوحت بين 60 و220 كغ وقطره بين 0.3 و0.5 متر.

سافر بسرعة حوالي 16 كم/ثانية وكانت الطاقة الإجمالية لكرة النار التي ولدها تعادل ما بين طنين وسبعة أطنان من مادة تي إن تي. ونظراً لأن المنطقة التي سقط فيها مكتظة بالسكان، يقول براون إن هناك العديد من اللقطات التي وثّقت سقوطه.

تتبع العلماء ما يقرب من 30 مقطع فيديو كان واضحاً بدرجة كافية لكشف تفاصيل حول المسار الذي اتبعه الزائر الفضائي. من بين هذه المقاطع، كان هناك عدد قليل جيد بما يكفي لأعضاء الفريق لإجراء معايرة مفصلة.

 

 

ما الذي انطوت عليه هذه الدراسة؟
كانت المهمة معقدةً بطبيعتها.. أولاً، كان يجب أن يكون لدى العلماء مرجع موضعي من شأنه أن يساعد في تحديد المكان الذي التُقط منه الفيديو.

وُضِعَت نفس الكاميرا في نفس المكان الذي شوهد فيه السقوط في الأصل، على الرغم من أن كاميرا مماثلة كانت تستخدم غالباً. ثم كشفت قياسات مقاطع الفيديو هذه عن الزاوية التي سافر بها النيزك الوافد.

بالإضافة إلى الصور المُلتقطة بكاميرات الهواتف المحمولة، شاهد الباحثون صوراً أخرى مُلتقطة بأدوات احترافية.

على الرغم من أنه كان من الأسهل التعامل مع البيانات الرسمية، يقول براون إن الهواتف الذكية والكاميرات اللوحية غالباً ما تكون ذات دقة أعلى، وبالتالي توفر بيانات أدق إذا كان من الممكن معايرتها. ويقول الباحث إن الانتشار المتزايد لمثل هذه الكاميرات «أحدث ثورة في هذا المجال تقريباً».

 

 

منذ متى يدرس العلماء مسارات النيازك؟
بينما جمع البشر النيازك لآلاف السنين، لم يتمكنوا من تحديد مسار أحدها لأول مرة سوى عام 1959. سجلت كاميرات مرصد Ondrejov في جمهورية التشيك سقوط نيزك يُسمى Pribram، مما سمح للباحثين بتتبع مداره إلى حزام الكويكبات.

بحلول عام 2000، تعرّف العلماء على أربعة أماكن تنشأ فيها مدارات النيازك. ثلاثة منها من النوع «كوندريت H»، وهي فئة من النيازك الغنية بالحديد وهي التي غالباً ما تسقط على الأرض، وينتمي إليها نيزك هامبورغ.

منذ عام 2000، زادت إمكانيات حساب مدارات النيازك وتمكن العلماء من التعرف على مدارات حوالي 30 نيزك حتى الآن. بينما كان لانتشار الكاميرات المخصصة لتتبع هذه الأجسام دور مهم، يقول براون إن لقطات المستخدمين العاديين ساهمت أيضاً في التقدم في هذا المجال.

يقول براون إن سقوط نيزك هامبورغ «سُجِّل بشكل جيد للغاية، وهذا ما يجعله مثيراً للاهتمام بشدّة». بعد النيزك الذي أنتج كرة نارية في تشيليابينسك في عام 2013، «لا يوجد شخص آخر لديه الكثير من مقاطع الفيديو المسجلة».

 

 

لماذا من المهم معرفة أصل هذه النيازك؟
على الرغم من أن النيازك من نوع «كوندريت H» تشكل غالبية النيازك التي تعبر الغلاف الجوي إلى الأرض، إلا أن منشأها لا يزال لغزاً.

في عام 1998، اقترح علماء الفلك الكويكب الكبير 6 هيبي باعتباره الجسم الأولي الرئيسي الذي انطلقت منها هذه الصخور الفضائية، ولكن ليس هناك توافق في الآراء حول هذا الموضوع.

من بين النيازك ذات المدارات المعروفة التي يبلغ عددها حوالي 30 نيزكاً، ينتمي نصفها تقريباً إلى النوع «كوندريت H».

ومع ذلك، لا يبدو حتى الآن أن هذه الأجسام تأتي من حزام الكويكبات الخارجي، وهو الجانب المطل على كوكب المشتري، حيث يدور كويكب هيبي. بدلاً من ذلك، يبدو أنها تبدأ رحلتها من الحزام الأوسط والداخلي، الأقرب إلى الشمس. لكن لا يبدو أن نيزك ميشيغان يقدم حلولاً في هذا الصدد.

وفقاً لبراون: «للأسف، يقدم هذا النيزك تساؤلات حول مدار كوندريت H أكثر من تلك التي يجيب عليها». سيكون من الضروري الحصول على تسجيلات مستقبلية جديدة، من أي هاتف، إذ يمكن أن تستمر في المساعدة في فك أحد الألغاز التي لا يزال الكون يخفيها عنّا.