Beirut weather 10.85 ° C
تاريخ النشر December 2, 2019 06:32
A A A
الخوف من أزمة حكم أخَّر إجراء الاستشارات النيابيّة
الكاتب: اميل خوري - النهار

منذ أن أخذت السلطة تعتبر أن الدستور هو وجهة نظر وتطبيقه يتم بالمقلوب، وتطبيق الديموقراطيّة ضائع بين أكثريّة وتوافقية فصارت هجينة وممسوخة، ولبنان يُواجه الأزمات على اختلاف أنواعها وأشكالها ويعجز عن الخروج منها، فينعكس ذلك سلباً على الأوضاع الاقتصاديّة والماليّة والمعيشيّة، فانفجرت عندئذ ثورة الجياع والمحرومين. فرئيس الجمهوريّة مثلاً، لا يُنتخب إلّا بعد اتفاق الناخبين الكبار في الداخل والخارج على اسمه، ثمّ يُغطَّى هذا الاتفاق بانتخابات شكليّة… في حين كان انتخاب رئيس الجمهوريّة يتمّ استناداً إلى الدستور، فيجتمع مجلس النوّاب فوراً لانتخابه إنْ لم يكن في دورة واحدة ففي دورات عدّة، ولا يحقّ للمجلس أن يقوم بأي عمل آخر. ولم يكن مسموحاً لأي نائب التغيّب عن جلسات الانتخاب إلّا بعذر مشروع. لكن نوّاب زمن لبنان الرديء والبائس ابتدعوا حقّهم في التغيّب من دون عذر مشروع، فتعطَّل نصاب الجلسات واستمر الشغور الرئاسي ما يُقارب الثلاث سنوات. وفي تشكيل الحكومات، كانت الاستشارات النيابيّة التي يجريها رئيس الجمهوريّة تنطلق فور استقالة الحكومة القائمة لتسمية الرئيس المكلَّف تشكيلها، وليس كما يحصل اليوم، فلا استشارات قبل الاتفاق سلفاً على الرئيس المكلّف وعلى شكل تأليفها أيضاً، بحيث تصبح الاستشارات النيابية بعد الاتفاق على التكليف والتأليف شكليّة ولتغطية هذا الاتفاق المخالف للدستور أو بالالتفاف عليه، ولا يتمّ تأليف الحكومة إلّا بعد الاتفاق على الرئيس المكلّف وعلى شكلها وعلى مَنْ يتمثّل فيها، كي يتمّ التكليف والتأليف في آن واحد، بحجّة تفادي احتمال الدخول في أزمة حكوميّة طويلة الأمد قد تفتح الباب على أزمة حكم، في حين أنّ الرئيس المكلّف كان يجري مشاورات مع الأحزاب والكتل لتأليف حكومة يضمن لها ثقة مجلس النوّاب، ويكون هو مسؤولاً عن تأليفها أمام مجلس النوّاب عندما يطلب ثقته. ولا دور لرئيس الجمهوريّة في ذلك سوى أن يوافق أو لا يوافق على التشكيلة عند عرضها عليه، حتّى أن قانون الانتخاب لا يُطرح على مجلس النوّاب لمناقشته وإقراره إلّا بعد الاتفاق عليه مع رؤساء القوى السياسيّة الأساسيّة في البلاد، وبعد أن يعرف كل منهم حصّته من المقاعد النيابيّة قبل الانتخابات، فيصبح الناخب أسير قانون يُقيّد حريّته عند الاقتراع.
إنّ الأزمة الوزاريّة الراهنة هي أزمة خلاف على اسم الرئيس الذي سيُكلّف تشكيل الحكومة، وهي أيضاً أزمة خلاف على شكلها، فإذا كانت حكومة تكنوقراط صافية، فقد تكون مُهدّدة بالثقة في مجلس النوّاب. وإذا كانت حكومة تكنو – سياسيّة، فقد تكون مُهدِّدة بالشارع الغاضب، وعندها تتحوّل أزمة التأليف أزمة حكم يحاول الرئيس ميشال عون تفاديها بالتوصُّل إلى اتفاق مُسبق على التكليف والتأليف لئلّا تُسمّي الاستشارات النيابيّة، إذا جرت قبل حصول هذا الاتفاق، من يصرّ على تشكيل حكومة تكنوقراط صافية، فتصطدم ربّما مع رئيس الجمهوريّة إذا كان يرفض أن تكون كذلك، وتصبح هذه الحكومة سقف كل مَنْ يكلف تشكيلها، فتدخل البلاد عندئذ في المجهول المخيف الذي يجعل الشعب يعيش كل يوم على معزوفة “طلع الدولار، نزل الدولار”، ويده على قلبه، كما يعيش مع سلطة مطلوب منها حل الأزمات المتفاقمة لكنّها لا تشعر بها ولا تعترف بوجودها… بل تكابر وتعتقد أن البلد “ماشي”، ولا تريد أن تعرف أو تعترف بأنّه “ماشي” إلى الهاوية.