“عندما التقيت لأوّل مرّة بجاريد كوشنر، مستشار الإدارة البارز حول خطّة السلام الإسرائيليّة – الفلسطينيّة، قلت نصفَ ممازح إنّني أتمنّى لو أنّ حماي يثق بي بنفس مقدار ثقة حميّه به – لأنّ الرئيس ترامب أعطى صهره المهمّة المستحيلة”.
لا يزال الرئيس الأميركي دونالد ترامب مصرّاً على تقديم الهدايا المجّانية للإسرائيليّين، وللمفارقة، ليست هدايا لهم جميعهم. وغالباً ما يأتي هذا الإصرار على حساب “صفقة القرن” التي يعدّها مستشاروه. في الماضي، تفادت الولايات المتّحدة توصيف المستوطنات الإسرائيليّة في الضفّة الغربيّة بأنّها “غير قانونيّة”، مفضّلة استخدام تعابير أقلّ حدّة مثل “إنّها عقبة أمام السلام”. ولم يستخدم الرئيس السابق باراك أوباما حقّ النقض لمنع صدور القرار 2334 عن مجلس الأمن والذي يعتبر المستوطنات “انتهاكاً صارخاً” للقانون الدوليّ. انكسر هذا المسار، الإثنين الماضي، حين أعلن وزير الخارجيّة مايك بومبيو أنّ بلاده لم تعد ترى المستوطنات “غير متّسقة مع القانون الدوليّ”. علماً أنّ رأياً قانونيّاً صادراً عن الوزارة نفسها سنة 1978 قال إنّ المستوطنات تتعارض مع القانون الدوليّ.
لماذا غيّرت لون الضوء؟
شرح فيليب غوردون من “المجلس الأميركيّ للعلاقات الخارجيّة” أنّ الوزارة لم تقدّم برهاناً لرأيها، لذلك أتى الإعلان كـ”بيان سياسيّ أكثر من مقاربة حقيقيّة للقانون الدوليّ”. اللافت أنّ بومبيو نفى أن يكون الإعلان الأميركيّ ضوءاً أخضر لإسرائيل كي تبني المزيد من المستوطنات التي تضمّ حوالي 600 ألف مستوطن يعيشون في الضفّة الغربيّة والقدس الشرقيّة. لكنّ غوردون لا يوافقه الرأي: “ليس واضحاً ما إذا كان هذا الإعلان سيتمتّع بأثر بارز على النشاط الاستيطاني، والذي كان يتمّ أصلاً من دون الكثير من المعارضة من واشنطن. لكن إذا كان هنالك أساساً ضوء أصفر من الولايات المتّحدة للتوسّع الاستيطانيّ، فقد قلبته الإدارة إلى (ضوء) أخضر للتو”.
بالنظر إلى جميع الخطوات التي اتّخذتها الإدارة الأميركيّة الحاليّة تجاه قضايا الصراع العربيّ-الإسرائيليّ بدءاً بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وصولاً إلى الاعتراف بـ”سيادة” إسرائيل على الجولان، مروراً بقطع المساعدات عن السلطة الفلسطينيّة وغيرها، يبدو القرار الأخير متناسقاً جدّاً مع الخطوات السابقة. لكن على الرغم من ذلك، لا تزال أسئلة كثيرة تثار عن الأسباب والدوافع وراء اتّخاذ الإدارة موقفها الأخير. وبطبيعة الحال، ثمّة أسئلة مرتبطة أيضاً بتوقيت الإعلان. تعدّدت الإجابات من قبل المراقبين لكنّها على الأرجح تكاملت. وقد عبّر إسرائيليّون أيضاً عن امتعاضهم من هذا القرار.
ردّ محتمل على قرار محكمة أوروبية
ذكر جوزف هيتكس في تقرير نشرته مجلّة “تايم” الأميركيّة منذ يومين، أنّ الخبراء أشاروا إلى أنّ الخطوة تهدف إلى عرقلة الإسرائيليّين الوسطيّين في وقت تشهد تل أبيب أسوأ مشاكلها السياسيّة مع فشل تشكيل حكومة جديدة على الرغم من إجراء عمليّتين انتخابيّتين خلال أشهر. وقال نيمرود نوفيك، محلّل في “منتدى السياسة الإسرائيليّة”، وهي منظّمة أميركيّة تدعم حلّ الدولتين، إنّ سياسة ترامب “تواصل تعزيز أقلّيتنا المسيحانيّة الاستيطانيّة”. من جهته، قال الخبير في الشؤون الإسرائيليّة ضمن معهد “تشاتام هاوس” الملكيّ البريطانيّ، يوسي مكلبيرغ، للمجلّة نفسها، أن لا وجود لـ”صفقة القرن”. وأضاف: “إذا كانت المستوطنات قانونيّة، والقدس عاصمة لإسرائيل، لا لفلسطين، واللاجئون غير موجودين، فأنا لست متأكّداً ممّا نتفاوض عليه”.
ثمّة سببان آخران قدّمهما غوردون في تحليله. الأوّل أنّ ترامب أراد تقديم هديّة لقاعدته الانتخابيّة مع اقتراب موعد استحقاق 2020. أمّا الثاني فيتمثّل في احتمال الردّ على قرار محكمة العدل الأوروبية التي حكمت بأنّ على جميع المنتجات المصنّعة في مستوطنات الضفّة الغربيّة أن تكون ممهورة بإشارة واضحة عن هذا المصدر.
حسابات مبعثرة
عندما صدر القرار 2334 في كانون الأوّل 2016، أبدى نتنياهو غضباً من إدارة أوباما لأنّها لم تستخدم حقّ النقض وامتنعت عن التصويت. اليوم، إذا كان ترامب يريد فعلاً ضرب الوسطيّين الإسرائيليّين فربّما يبني حساباته على تعزيز موقع نتنياهو في السياسات الإسرائيليّة خصوصاً أنّ لديه سوابق في هذا المجال وتحديداً قبل الانتخابات الإسرائيليّة. يوم الخميس، كلّف الرئيس الإسرائيليّ رؤوفين ريفلين الكنيست باختيار اسم رئيس الوزراء المقبل قبل 12 كانون الأوّل وإلّا… لن يكون أمام الإسرائيليّين سوى خيار اللجوء إلى انتخابات ثالثة في أقلّ من عام. ولا يزال بإمكان الكنيست تكليف نتنياهو لرئاسة الوزراء، ولهذا، يمكن أن يكون ترامب قد فكّر وفقاً لحساباته أنّ ذلك يخدمه بطريقة ما.
لكنّ الاتّهامات التي وجّهها المدّعي العام الإسرائيليّ أفيخاي مندلبليت، مساء الخميس، لنتنياهو بالرشوة والاحتيال وخيانة الأمانة في ثلاث قضايا منفصلة، تبعثر هذه الحسابات المحتملة، كما حسابات الكنيست على الأرجح. وما يعزّز اعتقاداً كهذا هو وصف نتنياهو لقرار مندلبليت، صديقه السابق الذي عيّنه في مناصب حكوميّة، بأنّه “انقلاب” ومنبيّ “على دوافع سياسيّة” و “مليء بالتحيّز”. من جهته، قال مندلبليت حين أصدر الاتّهام: “إنّه يوم حزين وصعب للشعب الإسرائيليّ، ويوم حزين لي شخصيّاً”. وتابع: “بقلب مثقل ولكن بكلّ إخلاص، قرّرت أنّ سلطة القانون وتطبيقه لا تعرف اليمين أو اليسار، وهذا التزامي تجاه الدولة”.
مزيد من الدوافع
لا تتوقّف التحليلات عند جميع هذه الأسباب. كما هي الحال في قرارات كثيرة، يؤدّي العامل الشخصيّ دوراً بارزاً في رؤية الرئيس الأميركيّ. يؤكّد محلّلون آخرون أنّ رغبة ترامب الأساسيّة تكمن في ضرب سياسات أوباما بالتحديد. هذا ما كتبه مستشار وزارة الخارجيّة السابق والباحث البارز في “مركز كارنيغي” آرون دايفد ميلر، في صحيفة “يو أس أي توداي”، يوم أمس الجمعة. اللافت أنّ ميلر، صاحب الغيرة-المزحة من ثقة ترامب بكوشنر، لم يحصر انتقاده اللاذع بالدافع الشخصيّ في سياسة ترامب، بل كاد يلخّص جميع الأسباب الكامنة خلف الإعلان ببضعة أسطر:
“دمجت الخطوة جميع أسوأ عناصر السياسة الخارجيّة الترامبيّة – هوساً بسلفه، مركزيّة السياسات الداخليّة في سياسته الخارجيّة، وفصله الإعلان الأخير عن أيّ استراتيجيّة متناسقة، بما فيها دعم خطة السلام الخاصّة بإدارته نفسها”.
وأضاف معلناً دمار صفقة القرن: “بالنسبة إلى إدارة عملت على 60 إلى 80 صفحة من خطّة السلام… من الصعب تخيّل سلوك أكثر تدميراً لمبادرتها الخاصّة بها أكثر من تشريع المستوطنات”.


Beirut weather 23.41 ° C