Beirut weather 11.17 ° C
تاريخ النشر November 19, 2019 07:17
A A A
الطريق بين قصر بعبدا وبيت الوسط مقطوع.. والكل يغني على ليلاه
الكاتب: غسان ريفي - سفير الشمال

عادت الاستشارات النيابية الملزمة الى خزانة رئيس الجمهورية ميشال عون الذي يصر على الاحتفاظ بها، ويرفض إطلاق سراح مواعيدها قبل أن يحصل التوافق السياسي على التكليف والتأليف معا، في خطوة تُمعن في ضرب الدستور وفي مصادرة صلاحيات ومهمات الرئيس المكلف الذي يناط به وحده إجراء المشاورات مع الكتل النيابية لتحديد شكل ومضمون الحكومة بالتشاور مع رئيس الجمهورية.
يبدو واضحا أن إقامة الاستشارات في السجن الرئاسي ستطول، خصوصا أن عملية إسقاط إسم محمد الصفدي كمرشح لرئاسة الحكومة في الشارع بالضربة القاضية، وتبادل الاتهامات بين تياريّ المستقبل والتيار الوطني الحر حول إنتماء الصفدي السياسي ومن بادر الى تسميته ومن عمل على حرقه، أدت الى تسعير الخلافات بين الطرفين، فقُطعت كل الطرق التي تربط بين قصر بعبدا وبيت الوسط، كما قُطعت طريق بيت الوسط على الوزير جبران باسيل، ما دفع نوابا برتقاليين الى كيل الاتهامات للحريري تارة بالفساد وطورا بأنه لا يمتلك قراره، وإستدعى ذلك ردودا عنيفة من قياديين في تيار المستقبل، ما يشير الى حجم الهوة التي باتت تفصل بين الفريقين اللذين عادا بمفرداتهما السياسية الى مل قبل التسوية الرئاسية.
لا شك في أن محمد الصفدي أخفق في التعامل مع تسميته لرئاسة الحكومة، فلم يتمكن من إستيعاب الأمر بالشكل الهادئ والرصين، ولم ينجح في التعامل مع غضب الشارع، ولم يخرج لمخاطبة المواطنين المنتفضين، كما حاول اللعب على خطيّ الحريري وباسيل محاولا إيهام كل منهما بأنه سيكون ممثله في المرحلة المقبلة، ما أدى الى خسارته هذا التوافق، والى إنكشاف حقيقة إنتمائه السياسي لمصلحة العهد على حساب الحريري، فضلا عن تسببه في بناء السواتر بين بيت الوسط من جهة وبين قصر بعبدا وميرنا الشالوحي من جهة ثانية.
ولعل أكثر ما أزعج المواطنين المنتفضين، هو شعورهم بالاستخفاف بهم وبثورتهم وبمطالبهم عبر تسمية الصفدي، في وقت يعلم فيه القاصي والداني أن المرحلة تتطلب حكومة إنقاذ ورئيس قادر على العمل والانتاج ليلا ونهارا لانجاز هذه المهمة، ما أعطى إنطباعا لدى الشارع بأن كل من أركان السلطة يغني على ليلاه، ويسعى الى تحقيق المكاسب من خلال الحكومة المقبلة، وخصوصا الوزير باسيل الذي أظهرت الوقائع أنه يطمح الى فرض نفوذه على رئاستي الجمهورية والحكومة في آن معا.
يمكن القول أن أركان السلطة يستمرون في إعتماد مبدأ المناورة والتحايل على غضب الشارع، من خلال الايحاء بأن المشاورات الحكومية تسير على قدم وساق، في حين تؤكد المعلومات أنه منذ إعلان الصفدي إنسحابه لم يحصل أي تواصل أو إتصال بين الرئيسين عون والحريري أو بين الحريري وباسيل، ما يعني أن الأزمة تتعمق والحكومة الجديدة تكليفا وتأليفا ما تزال في علم الغيب، في وقت يتمسك فيه كل فريق بموقفه بدءا من عون وباسيل والثنائي الشيعي الذين يريدون حكومة تكنوسياسية لكي تحظى بغطاء سياسي في مجلس النواب مع رئيس للحكومة مطواع يمكن إدارته عن بُعد، الى الحريري الذي يتمسك في حال تسميته باستبعاد باسيل اولا وبحكومة تكنوقراط من إختصاصيين يرضى بها الشارع وتمنحه بعض الثقة وتدفعه للخروج من الشارع ثانيا.
تشير بعض التقارير السياسية والأمنية الى أن الوضع لم يعد يحتمل أي ترف أو دلال أو تفتيش عن مكاسب هنا أو مصالح هناك، خصوصا بعدما كسر المواطنون على دولتهم، وتجاوزوا السلطة السياسية الى مكان متقدم، الأمر الذي يضع البلد على كف عفريت هائج يتلاعب به على حافة الهاوية، فإما المسارعة الى الانقاذ أو السقوط الى الدرك الأسفل.