Beirut weather 18.99 ° C
تاريخ النشر November 7, 2019 05:40
A A A
نصف اللبنانيين إلى الفقر… من يدفع البلاد إلى الانهيار؟
الكاتب: سابين عويس - النهار

مضى على الانتفاضة الشعبية 21 يوما، وعلى استقالة الرئيس سعد الحريري ثمانية أيام. لم ينجح الشارع في هز عرش السلطة الحاكمة، ولا الاستقالة نجحت في خرق جدار الازمة، فيما الاوضاع الاقتصادية والمالية والنقدية والاجتماعية الى مزيد من التقهقر، تحت وطأة الازمة السياسية المستفحلة وغياب أي أفق لحلول يمكن أن تخرج البلاد من نفق الانهيار.
أسئلة كثيرة تُطرح عن الاسباب الكامنة وراء الصمت المطبق للحكم حيال التدهور الحاصل، حتى بدا أن ثمة من يدفع البلاد نحو خيار الانهيار. فالوضع النقدي والمالي، فضلا عن المالية العامة للدولة، بلغا مستويات من العجوزات تنذر بسقوط مدوّ ما لم يتم تداركهما، علما أن هامش الخيارات المتاحة بدأ يضيق في شكل واضح ومقلق.
وفي حين ظل هذا الوضع شأنا داخليا في غياب أي قلق خارجي، باستثناء وكالات التصنيف الدولية التي ترصد الوضع عن كثب، بادرت “موديز” بالامس الى خفض تصنيفها الائتماني للبنان الى مستوى الخردة الذي يسبق الافلاس (بدرجتين). فقد برز تطور مهم تمثل بزيارة المدير الاقليمي للبنك الدولي ساروج كومار جاه لرئيس الجمهورية، وأكد في تصريح على الاثر أن “لبنان الآن ليس لديه الرفاهية لإضاعة الوقت لمعالجة القضايا الملحة التي تستدعي الاهتمام الفوري”، كاشفا ان لقاءه رئيس الجمهورية يأتي في اطار تأكيد “ضرورة اتخاذ تدابير سريعة ومحددة لضمان الاستقرار الاقتصادي والمالي في لبنان، وان المعالجة السياسية تحظى بقدر كبير من الاهتمام، لكن المخاطر الأشد تكمن على الصعيد الاقتصادي. فمع مرور كل يوم، يصبح الموقف أكثر حدة، وهذا من شأنه أن يجعل التعافي صعباً للغاية”.
وتناول جاه الوضع الاقتصادي في البلاد، كاشفا أن البنك الدولي كان قد توقع سابقاً انكماشاً صغيراً في 2019، أي نمو سلبي بلغ نحو (-) 0.2٪. أما الآن، فنتوقع أن يكون الركود أكثر أهمية بسبب الضغوط الاقتصادية والمالية المتزايدة. وتؤدي قيود ميزان المدفوعات إلى ظروف قاسية للشركات والعمال. وقد أدى انخفاض الثقة في الاقتصاد إلى ارتفاع في دولرة الودائع، الذي بات يفرض أعباء هائلة على ميزانيات البنوك والمصرف المركزي”.
لم تتوقف إضاءات المسؤول الدولي عند الواقع الاقتصادي والمالي، بل تناول بما يشبه الإنذار الوضع الاجتماعي، ليكشف أنه كان تم تقدير عدد اللبنانيين الفقراء عام 2018 بنحو الثلث، فيما كانت نسبة الفقراء تبلغ 27.4 % في 2011-2012، محذرا من أن الآتي يمكن أن يكون أسوأ إن لم تتم المعالجة فوراً. وكشف جاه انه يمكن أن يرتفع الفقر إلى 50 في المئة إذا تفاقم الوضع الاقتصادي، وان معدل البطالة، خصوصا بين الشباب، وهو مرتفع أصلاً، قد يرتفع أكثر في شكل حاد. وهذا يعني عمليا ان المنحى الذي تسير فيه البلاد سيؤدي الى ان يصبح نصف الشعب اللبناني ضمن مستوى الفقر!
وهو أوضح في هذا الشأن أن التجارب الدولية تظهر لنا أن الطبقتين الفقيرة والوسطى سوف تكونان الأكثر تضرراً في مثل هذه الأزمات الاقتصادية، وهنا يجب أن تتدخل الحكومة الجديدة لحماية هؤلاء الناس من الآثار السلبية للإصلاحات. هناك حاجة ملحّة لوقف الأزمة الاقتصادية الناشئة واستعادة الثقة بالاقتصاد”.
يؤكد جاه أن “ليس للبنك الدولي أجندة أو تفويض سياسي، لكن علينا واجب تنبيه شركائنا عندما نراهم في مواقف صعبة. يجب أن نوقف تدهور الاقتصاد اللبناني وعواقبه الاجتماعية. الخطوة الأكثر إلحاحاً هي تشكيل حكومة سريعاً تنسجم مع تطلعات جميع اللبنانيين. إلا أن تلك هي الخطوة الأولى فقط”.
وما قاله جاه يتفق مع رأي كل الخبراء الاقتصاديين لجهة ان الخطوة الاولى تكمن في الاتفاق على تشكيل حكومة من اجل استعادة ثقة الداخل والخارج معا، لأن الحاجة باتت ملحة بعد انتفاضة 17 تشرين الاول الى استعادة المواطنين ثقتهم بدولتهم ومؤسساتهم. والمجتمع الدولي الذي فقد الثقة بالحكومة اللبنانية إثر الخيبات المتكررة من فشلها في التوافق على ارساء برنامج الاصلاحات المطلوب لانقاذ البلاد، يجب أن يستعيد الثقة بحكومة فاعلة وقادرة على المبادرة فورا الى اتخاذ الخطوات الملحة والضرورية المطلوب لإنعاش البلاد اقتصاديا وماليا.
وتؤكد مصادر دولية في هذا السياق، ان لبنان لن يكون قادرا على مخاطبة المجتمع الدولي قبل توجيه الاشارات الجدية والمسؤولة المطلوبة. وتضيف أن المشكلة الحقيقية التي لا يعيها المسؤولون في لبنان تتمثل في أن لبنان وحده لم يعد قادرا على معالجة شؤونه وأزمته بعدما فشل في إدارتها سابقا، وأخفق في اتخاذ التدابير الآيلة الى إبعاده عن كأس الانهيار. ولا تخفي هذه المصادر اقتناعها بأن السلطات اللبنانية لا تعي حتى الآن حراجة الاوضاع الداخلية وأخطارها، وهي مقتنعة بأنها قادرة على ادارتها ومعالجتها، لكنها مخطئة تماما. فالاوضاع تجاوزتها، خصوصا أن العملية السياسية لا تزال تعيش إخفاقات في ظل استمرار عملية التناتش على السلطة.