Beirut weather 17.58 ° C
تاريخ النشر November 6, 2019 05:40
A A A
لبنان في عين العاصفة.. ويمرّ بأخطر أزّمة مالية في تاريخه!
الكاتب: بروفسور جاسم عجاقة - الديار

هناك ثلاثة أبعاد للأزمة الحالية التي تعصف بلبنان: البعد الأول هو بعد مالي – إقتصادي، البعد الثاني هو بعد إجتماعي، والبعد الثالث هو بعد أمّني. كل بعد من هذه الأبعاد يُشكّل تهديدًا واضحًا وخطرًا على الكيان اللبناني. تفنيد هذه الأبعاد تؤدّي إلى إستنتاج أليم ألا وهو الوضع حرج جدًا!

البعد المالي – الإقتصادي

الوضع المالي والإقتصادي للدوّلة اللبنانية كان في حالة حرجة حتى قبل بدء موجة الإحتجاجات في 17 تشرين الأوّل 2019، حيث كان المُجتمع الدوّلي بإنتظار الحكومة للقيام بإصلاحات مالية، إقتصادية وإدارية تسّمح بتفادي خفض تصنيف لبنان الإئتماني وتحرير أموال مؤتمر سيدر التي تُعتبر أساسية لدفع الإقتصاد. الحكومة كانت قدّ أقرّت في أخر جلسة لها في قصر بعبدا ورقة إصلاحية عُرفت بورقة الحريري. هذه الورقة حوتّ على عدد من البنود الإصلاحية مع إجراءات خفّضت العجز المتوقّع في الموازنة إلى 0.6%! في الواقع هذه الإجراءات تعتمد بشكلّ أساسي على ضريبة على المصارف بالإضافة إلى تحميل مصرف لبنان نصف قيمة خدّمة الدين العام في الـ 2020.

هذه الإجراءات إعتبرتها وكالات التصنيف غير كافية وغير مُستدامة أي أنه بأحسن الأحوال سيتمّ خفض العجز في العام 2020 ليُعاود إرتفاعه في الأعوام اللاحقة. وبالتالي وفي مقابلات صحافية أجرتها وكالة بلومبرغ للأنباء مع عدد من مدراء محافظ إستثمارية وخبراء ماليين، أجّمع هؤلاء على أن لبنان يتّجه إلى إعادة هيكلة ديونه السيادية. هذا الأمر يعكس النظرة السلبية للأسواق المالية على الأداء المالي للحكومة اللبنانية وبالتالي تأتي هذه الإحتجاجات لتزيد الوضع سوءًا مع حكومة تصريف أعمال لها صلاحيات محدودة أي لا يُمكنها القيام بأيّة إصلاحات!

المُشكلة الأخرى التي تواجه الدولة اللبنانية تتمثّل في الشللّ الحاصل في الماكينة الإقتصادية والذي يحرم الدوّلة من 15% من قيمة الخسائر في النشاط الإقتصادي، مما يعني المزيد من العجز في موازنة العام 2019 التي توقّعت عجزًا بنسبة 7.59%! وتخطّي هذا العجز يعني أن التصنيف الإئتماني سيتمّ تخفيضه لتزيد معه كلفة خدمة الدين العام.

وهنا يُطرح السؤال: ماذا عن إستـحقاق الدوّلة من الدين العام هذا الشهر؟ وماذا عن أجور القـطاع العام؟ في الواقع الدوّلة اللبنانية تعتمد بشكل أساسي على مصرف لبنان لدفع الأجور وحتى الإستحقاقات القادمة. ولولا مصرف لبنان لكانت الدولة عاجزة عن دفع إستحقاقاتها.

الجدير ذكره أن التفلّت المالي في الدوّلة بدأ مــــنذ فترة طويلة وقدّ تحمّل مصرف لبنان نتيجة هذا التفلّت كلفة وصلت إلى 2.8 مليار دولار أميركي في الـــعام 2018 بين قروض بفوائد مُخفضة وتسهيلات للخــــزينة.

على كل الأحوال، لا يُمكن للدوّلة اللبنانية الإستمرار في الإعتماد على مصرف لبنان لأن ذلك منافٍ للقواعد في الأسواق المالية ولأن الإستمرار على هذا النحو سيزيد الضغط على الوضع النقدي.

البعد الإجتماعي

إجتماعيًا يمرّ لبنان في مرحلة خطرة جدًا نتيجة تراجع الماكينة الإقتصادية (نتوقّع إنكماشاً بنسبة 0.5% هذا العام). هذا التراجع سيؤدّي إلى تراجع مداخيل الأفراد والشركات مما يعني مزيد من البطالة وإنخفاض الإستهلاك. الفقر الذي هو أصلاً في مستويات مرتفعة (أكثر من 31.59%) سيزيد أيضًا إلى درجة قدّ تزيد من وقود الإحتجاجات.

إلا أن الأخطر في الأمر هو الفلتان في الأسعار الذي تشهده الأسواق حيث أن بعض التجار يستفيد من أزمة الدولار لرفع أسعاره عن غير وجه حقّ! حتى أن الخضروات المُنتجة في لبنان أصبحت تُسعّر بالدولار من قبل التجّار وهو أمر غير مقبول. التشدّد في الرقابة هو أمر أساسي في هذه المرحلة الحرجة، لأن التساهل في الرقابة سيؤدّي إلى تأجيج الإحتجاجات في الشارع وسيزيد من تصلّب المتظاهرين.

هذا الإطار الأسود لا ينتهي هنا، حيث أن زيادة الفقر وفي ظل الفوضى الحالية، ستزيد نسبة الجرائم وعلى رأسها السرقة وتحطيم الأملاك العامّة.

البعد الأمنّي

المخاوف من تطوّر أمّني تزداد مع التشنّج في الشارع والشارع المُضادّ. وقد شهدنا البارحة عدداً من المواجهات بين بعض المتظاهرين وبعض المعارضين للإحتجاجات تمّ تطويقها نظرًا إلى أنها كانت ذات طابع فردي.

إلا أن المخاوف الأكبر تبقى من أن يكون هناك مواجهة بين مجموعات من الشارع والشارع المُضاد والتي قدّ تؤدّي إلى مواجهات أمنية قدّ تكون كارثية. لذا يبقى هذا البعد الأكثر خطورة إذا لم يتمّ أخذ تدابير إحتياطية من قبل الأجهزة الأمنية لمنع الإنزلاق إلى المحظور.

على كل الأحوال، إستمرار الإحتجاجات يزيد من الضغوط على مُقوّمات الدوّلة بكل مفاصلها. لذا من المفروض على القوى السياسية معرفة دقّة المرحلة خصوصًا على الصعيد المالي حيث أن لبنان يمرّ في أخطرّ أزمة مالية منذ الإستقلال! أزّمة قد تُطيح بالكيان اللبناني نظرًا إلى الإجراءات التي سيتمّ فرضها في حال دخلّنا في المحظور (ماليًا)!

إذا كان مصرف لبنان إستطاع تكّوين إحتياط كبير من العملات الأجنبية لضمان ثبات الليرة اللبنانية مُقابل الدولار الأميركي خلال عقدين ونصف، إلا أن هذا الإحتياط لم يكنّ بأيّة لحظة من اللحظات هدفه تأمين إستحقاقات الدوّلة المالية.

في ظلّ هذا الوضعّ، يقف مصرف لبنان أمام معضلة وجودية: فمن جهة لا يُمكنه ترك الدوّلة تُفّلس نظرًا إلى التداعيات السلبية على الكيان اللبناني والتي قد تمّتد على عدّة أجيال، ومن جهة أخرى لا يُمكنه المساس بثبات الليرة نظرًا إلى التداعيات على الشعب اللبناني والتي أيضًا قد تمتدّ على عدّة أجيال حيث أن التاريخ لا يذكر دوّلة واحدة (بإستثناء ألمانيا) خفّضت من قيمة عمّلتها (أي زادت من التضخمّ) وإستطاعت الخروج من مُشكلة إرتفاع الأسعار ولو بعد مرور عشرات السنين.

من هذا المُنطلق ندق ناقوس الخطر ونقول أن لبنان في عين العاصفة!