Beirut weather 12.74 ° C
تاريخ النشر November 5, 2019 06:24
A A A
المشهد في ذروة الاحتدام ولبنان بين فكّي كمّاشة!
الكاتب: الجمهورية

لبنان بين فكّي كمّاشة: فك السياسة المُربكة والمعقّدة والمتباينة على كل الخطوط والمفتقدة لأيّ مخارج أو حلول، وفك التحرّكات الضاغطة في الشارع مع ما يرافقها من تجمعات في الساحات وقطع للطرقات وشلّ الحركة في البلد. المشهد العام، وعلى ما تعكس الوقائع المتسارعة فيه، في ذروة الاحتدام في الشوارع والساحات، بعد عودة المحتجّين الى استئناف حركتهم الاعتراضية على السلطة في أكثر من منطقة، وقد سجّل أمس قطع العديد من الطرقات في بيروت والمناطق، الّا أنّ هذا المشهد بَدا مفتوحاً في السياسة على نقاش حول كيفية الخروج من المأزق السياسي والمطلبي المتفاقم منذ بدء التحركات الشعبية في 17 تشرين الأول الماضي.
وقد تجلّى ذلك، في اللقاء المطوّل الذي عقد في بيت الوسط أمس، بين رئيس الحكومة المستقيل سعد الحريري ورئيس «التيار الوطني الحر» الوزير جبران باسيل (الذي لم يجر تصويره)، وهو التواصل الاول بينهما منذ إعلان الحريري استقالته. وهو الأوّل بينهما ايضاً كطرفين متصادمين سياسياً، خلافاً لما كان عليه الحال بينهما أيام التسوية السياسية التي كانت معقودة بينهما على مدى السنوات الثلاث الماضية وحتى ما قبل أيام قليلة.
ولقد شكل اللقاء، الذي دام 3 ساعات وتخلله غداء بين الحريري وباسيل، الحدث الاساس الذي انشَدّت اليه الانظار من كل الاتجاهات السياسية والمطلبية، رصداً لِما قد ينتهي إليه من تفاهمات او تباينات.
واذا كان ثمّة مَن عَوّل على هذا اللقاء كمناسبة لإعادة جسر العلاقة المأزومة بين الشريكين السابقين في التسوية السياسية، وخصوصاً بعد رفعهما معاً سقف الموقف تجاه الآخر، إن من ناحية الحريري وما نُقل عنه في الايام الاخيرة حول «الفيتو» الموضوع من قبله على إعادة إشراك باسيل في حكومة جديدة يترأسها، أو من ناحية «التيار الوطني الحر» ومِن خلفه رئاسة الجمهورية بمقابلة «الفيتو الأزرق» بـ»فيتو برتقالي» على إعادة تكليف الحريري، إلّا أنه في موازاة هذا التعويل يبرز تشكيك سياسي شبه عام في إمكان إعادة ما انكسر بينهما بسهولة، خصوصاً أنهما ذهبا معاً في مواقفهما من بعضهما البعض الى نقطة اللارجوع، وهو الأمر الذي رَسّخ مقولة على المستوى السياسي العام تفيد بأنّ عودة المُساكنة بينهما صارت في منتهى الصعوبة والتعقيد، خاصة أنّ الحراك الشعبي المتواصل من 17 تشرين الأول فرضَ وقائع جديدة لم يَعد من السهل تجاوزها، خصوصاً من قبل رئيس الحكومة المستقيل.
واللافت للانتباه في هذا السياق «النَقزة» التي انتابَت الحراك الشعبي الى حد الشعور بالاستفزاز من لقاء الحريري وباسيل، والخشية من أن يتعرّض هذا الحراك لِما سمّيت عملية التفاف سياسية تطيح بكل ما حققه المحتجّون منذ نزولهم الى الشوارع والساحات وحتى اليوم. وتبعاً لذلك، تعالت الأصوات في الساحات أمس، رفضاً لإعادة استنساخ السلطة السابقة تحت أي مسمّى كان، من شأنه أن يعيد إنتاج سلطة بديلة لا تختلف عن سابقاتها سوى في بعض الأسماء، وأمّا في جوهرها، فتأتي بالتركيبة السياسية ذاتها وبأداء مكمّل للأداء السابق الذي تسبّب بالوصول الى الأزمة التي يعيشها البلد.
حتى أنّ اللقاء بين الحريري وباسيل لم ينجُ من محاولات تشويش عليه، ولاسيما عبر ترويج مُتزامن مع هذا اللقاء، لمسودة حكومية جديدة من 24 وزيراً، لا تختلف في جوهرها عن الحكومات السابقة، وتضمّ الى جانب شخصيات «تكنوقراط» مجموعة الاسماء التي أدرجها الحراك الشعبي في خانة المُستفزة، وطالبَ بإسقاطها وإبعادها عن الحكومة. وعلى الرغم من مُسارعة أوساط الرئيس الحريري الى نَفي وجود مثل هذه المسودة، إلّا انّ هذا الترويج فَعلَ فِعله في أوساط المحتجّين الذين لَوّحوا برفع وتيرة التصعيد الى مستويات غير مسبوقة، فيما لو نَحت الأمور في هذا الاتجاه.
وأبلغت أوساط في الحراك «الجمهورية» قولها: «إنّ أيّ محاولة من قبل فريق السلطة لإعادة إنتاج الصيغة الحكومية السابقة، عبر عمليات تجميل ومَكيجة سطحية تُخفي بشاعة الجوهر، هي محاولة محكومة بالفشل المُسبق. أكثر من ذلك، إنها تعطي إشارة واضحة الى أنّ الطاقم السياسي يضرب عرض الحائط أوجاع الناس وما طالبوا به في انتفاضتهم ضد السلطة. وعليه، فإنّ عودتهم الى المنحى والصور السابقة، معناها أنّ الطاقم السياسي الحاكم يريد إشعال الشارع من جديد، وهذه المرة ستكون أقسى وأشد ضراوة ممّا كان عليه الحال منذ 17 تشرين الاول».
واللافت في سياق التشويش أيضاً هو تَعمُّد بعض القنوات الاخبارية غير اللبنانية نَفي حصول اللقاء بين الحريري وباسيل، وذلك في الوقت الذي كان اللقاء يُعقد في بيت الوسط. وهو ما أدرجَه مرجع سياسي كبير في سياق «إشارات من بعض الجهات، إعتراضية على حصول اللقاء أولاً، وعلى احتمال إعادة جسر العلاقة من جديد بين الحريري ومن يُمثّل ومن يحالِف، وبين باسيل ومن يُمثّل ومن يحالِف».
وقال هذا المرجع لـ»الجمهورية»: «إنّ مجرّد حصول اللقاء بين الحريري وباسيل، في هذا الوقت بالذات، وعلى أثر التباين الحاد بينهما، يمكن اعتباره من حيث الشكل فسحة إيجابية من شأنها أن تكسر الجليد وتفتح باب النقاش الذي قد يؤسّس لمخارج وحلول. ولكنّ التصويب على هذا اللقاء من قبل بعض الجهات، وعبر بعض القنوات الاخبارية، جعلني أرسم الكثير من علامات الاستفهام والريبة، وأخشى من أن يكون «وراء الأكمة ما وراءها» لقطع الطريق على أي توافق قد يحصل بين الجانبين.