Beirut weather 17.55 ° C
تاريخ النشر October 21, 2019 05:15
A A A
لبنان في حِمى «ثورته البيضاء» وسباق محموم بين ورقة الحكومة ومهبّ الريح
الكاتب: الراي

لم تَعُدْ الجغرافيا اللبنانية مجرّد تضاريس وإسمنت وشوارع… صارت طوفاناً بشرياً هائلاً وشلالاتٍ هادرةً من ناس، وساحاتٍ للقبَضات المرفوعة والحناجر الصارِخة ولمكبّراتِ صوتٍ تصدح في كل مكانٍ، وزوايا للبوح بالحكايا الحزينة، وأمكنةً مفتوحةً للفرح الخارج من الكتمان، على وقع الرقص والدبكة والأناشيد.
إنها ثورة وأكثر، مليونيّة وأكثر ولكنها لا تُشْبِه الثورات المركونة في عُلَب التاريخ ولا ثورات المقار السرّية وبوليسها وإيديولوجياتها… إنها ثورة لبنانية من جيل الذكاء الاصطناعي، ثورة حبّ للحياة والعلم والحداثة والحرية، مليونيّة حالِمة بالتمرّد على محاولة إفقار أهلها ونحْر مستقبلهم واسترهانهم لخيارات مجنونة.
إنها ثورةٌ بوجه كل «الأقوياء» في السلطة الذين استضعفوا الناس وحصوا أنفاسهم وتعاطوا معهم على أنهم «طُوِّعوا» واستسلموا لواقعٍ كأنّه قدَر محتوم، وإذ بـ«الانفجار الكبير» يفاجئ الجميع مع انتفاضةٍ على تَوَهُجِّها منذ الخميس وتتمدّد عابرةً للمناطق والطوائف والمذاهب والأحزاب ومعبِّرة بصوت واحد عن هدف إسقاط الحكومة وعدم الثقة بقدرة السلطة على تحقيق الوعود الإصلاحية والإنقاذية للوضع المالي – الاقتصادي – المعيشي الذي أَطْبَق على البلاد التي باتت على مشارف انهيار يدقّ الأبواب.
وقبل 24 ساعة من انتهاء مهلة الـ 72 ساعة التي أعطاها الرئيس سعد الحريري لشركائه في السلطة لتحقيق اختراق حاسِم في موضوع الإصلاح ووقف الهدر والفساد وإلا «الكلام الآخَر» (الاستقالة)، بدا السباقُ محموماً داخل الحكومة بين رئيسها ومكوّناتها لبلوغ ورقةٍ إنقاذية يُراد منها تهدئة الشارع المتوثّب، في موازاة سباقٍ بين الحكومة والشارع الذي لا يبدو في وارد التراجع عن أهدافه، وسباق على «القفز» من المركب الحكومي دشّنته استقالة وزراء «القوات اللبنانية» الأربعة وفرْمل استكمالَه امتناعُ «الحزب التقدمي الاشتراكي» عن الخروج من الحكومة. أما السباقُ الأخطر فهو الذي يشتدّ بين الوضع المتأجّج برمّته وبين الانهيار الذي أشاحتْ «أنهار المتظاهرين» الأنظارَ عنه ولكنه يبقى ماثلاً، وسط رصْدٍ لتأثيراتِ سقوط الحكومة أو صمودها على «سرعته»، وترقُّبٍ لتفاعُل السوق المالية مع «الهبّة الشعبية» وانعكاساتها على القطاع المصرفي والضغط المحتمل على الليرة والذي لجَمَه حتى الساعة تَوقُّف المصارف عن العمل منذ يوم الجمعة وتمديد هذا التوقف حتى يوم غد، في ما اعتُبر محاولةً لتفادي «هجْمةٍ» قد تكون مُرْبكة جداً لمجمل الواقع المالي – المصرفي.
وفي الوقت الذي كان الحريري يحاول إعدادَ الورقة التي تُحْدِث الصدمةَ المطلوبة والتي جرى التداول ببنودها التي تُزاوِج بين إصلاحاتٍ وبين التراجع عن فرْض أي ضرائب جديدة وقصْر ما سيُقرّ منها على الطبقات الميسورة، في ظلّ التحرّي عن موقف «التيار الوطني الحر» (حزب رئيس الجمهورية ميشال عون) من هذا المسار الذي يعكس «انتفاضةً حكومية» في وجه الوزير جبران باسيل وأدائه، بدا أن الشارع بات في مقلبٍ آخر حيث لا صوت يعلو فوق صوت: «استقالة» و«الشعب يريد إسقاط النظام»، و«فلّوا» و«كلن يعني كلن».
وفيما شكّلتْ الاستقالة الخطية التي قدّمها وزراء «القوات» أمس دفْعاً معنوياً للمنتفضين الذين تَأمّلوا بأن يكون للأمر «تأثير الدومينو» على أطراف آخرين في الحكومة، رغم الانطباع بأن رئيس «القوات» سمير جعجع لعب «صولد» بهذه الخطوة التي ربما يكون ربط معها وضعيّته السياسية بمصير الحِراك ونتائجه ولا سيما أنه (جعجع) أعلن «الطلاق الرسمي» مع العهد والتسوية التي أوصلت عون إلى الرئاسة وكانت «القوات» ركناً رئيسياً فيها، فإنّ الأسئلة تدافعتْ حول الخطوة التالية للسلطة بحال أصرّ المحتجّون على افتراش الساحات على امتداد لبنان الذي يعيش اليوم أيضاً ما يشبه الإضراب غير المعلن في ظل استمرار وقف الدراسة في المدارس والجامعات وإصرار «الثوار» على عدم الخروج من الشارع الذي يشهد قطْع طرق في العديد من المناطق.
ورقة الحريري الإنقاذية … بلا عجز
أَحْكَمَ رئيس الحكومة سعد الحريري الطوق حول دارته (وسط بيروت) حيث بدا وكأنه في «حال طوارئ» واصَلَ على وقْعها المشاورات الكثيفة خلف الستائر المقفلة للوصول إلى الورقة المالية – الإصلاحية التي ربما تشكّل «الحل السحري» لإخراج الشارع «الثائر» من الشارع وفي الوقت نفسه توفّر جسر العبور من «دائرة خطر» الانهيار.
ورغم أن الحريري فرض ما يشبه «حظر التجوّل» في دارته على الإعلاميين حرْصاً على عدم تسريب مضمون الورقة الإنقاذية، فقد رشحتْ بعض عناوينها
(قد تكون تعدّلت نتيجة المشاورات المستمرة) في موازاة اقتراحاتٍ إضافية قدّمها «الحزب التقدمي الاشتراكي» (بزعامة وليد جنبلاط) واعتبر السير بها «شرطاً» لـ«بقائنا في الحكومة التي نحن فيها كمَن يجلس على كومة شوك».
ومن العناوين التي جرى تداوُلها إقرار موازنة 2020، بلا أي عجز، وتأمين مبلغ 3 مليارات دولار من مصرف لبنان والمصارف، وزيادة الضرائب على أرباح البنوك من 17 إلى 25 في المئة، وخفْض رواتب ومخصصات الرؤساء والنواب والوزراء، وإسقاط كل البنود الضريبية التي كان يجري البحث فيها، وإلغاء الصناديق كافة (المهجرين ومجلس الجنوب والإنماء والإعمار)، إلغاء وزارة الإعلام، والعودة عن التخفيضات التي أقرّت على معاشات التقاعد للعسكريين والقوى الأمنية، تحويل معامل الكهرباء إلى غاز خلال شهر، إقرار قانون استعادة الأموال المنهوبة، إعادة العمل بالقروض السكنية، خصخصة قطاع الخليوي ورفع السرية المصرفية عن الوزراء والنواب والمسؤولين وغيرها من النقاط ذات الصلة بآلية المناقصات ومكافحة الفساد.