Beirut weather 22.23 ° C
تاريخ النشر October 18, 2019 05:13
A A A
انتفاضة الضرائب… في كل لبنان
الكاتب: النهار

هل هي انتفاضة الضرائب أم انتفاضة “الواتساب” أم طليعة انتفاضة أوسع وأعم تعكس عمق التأزم والاعتمال الشعبي في لبنان حيال أوضاع متآكلة ومخاوف من الانهيارات واحتقانات نتيجة أحوال معيشية وخدماتية مزرية؟

استعدت الحكومة لانجاز البحث في موازنة 2020 في جلسة مجلس الوزراء اليوم التي يفترض أن تكون نهائية ولكن من غير ان يعني ذلك ضمان مواكبة هذا الاستحقاق بأجواء ايجابية تنتفي معها التعقيدات المحتملة من داخل مجلس الوزراء أو من خارجه، خصوصاً بعدما برزت ليلاً ملامح التحركات الاحتجاجية في الشارع منذرة بانتفاضة غير مسبوقة ضد الضرائب وبكرة ثلج رافضة على المستوى الشعبي لرزمة الرسوم والضرائب التي سترافق احالة الموازنة على مجلس النواب.

وكان ينقص المشهد المحتدم بين مناقشات الحكومة وخلوات الوزراء من جهة، والمناخ الشعبي الرافض لفرض ضرائب أو رسوم جديدة، ان ينفجر فجأة أحد أغرب الاقتراحات الضريبية المتمثلة في الاتجاه الى فرض رسم 20 سنتاً على خدمة “الواتساب” في الهواتف الخليوية على كل أول اتصال يومياً، الامر الذي أثار موجة غضب عارمة ترجمت عبر مواقع التواصل الاجتماعي أولاً ومن ثم عبر الاعتصامات والمسيرات التي بدأتها مجموعات من الناشطين من المجتمع المدني مساء في وسط بيروت تنقلوا في قطع الطرق بين شارع المصارف وساحة رياض الصلح وجسر فؤاد شهاب والصيفي وساحة النجمة احتجاجاً على فرض ضرائب جديدة.

واتخذت التظاهرة طابعاً حاداً لدى وصول المتظاهرين الى محيط مجلس النواب حيث صادف مرور موكب إحدى الشخصيات التي ذكر لاحقاً انها الوزير أكرم شهيب، إذ أطلق المرافقون الرصاص في الهواء للتمكن من فتح الطرق أمام الموكب فأثار ذلك استياء المتظاهرين الذين ردّوا بهتافات تنادي بـ”الثورة”. وأبلغ رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط في وقت لاحق “النهار” انه “طلب من شهيب تسليم الذين أطلقوا النار في الهواء، لكن شهيب ليس من يتحمل مسؤولية التدهور الاقتصادي في البلد. نحن تحت القانون ولكن نطلب تحقيقاً شفافاً ونرفض الاعتداء على أي كان”. وأضاف: “على جميع الوزراء ان يتضامنوا حول أهمية الاصلاحات الحقيقية وقد نكون أمام فرض بعض الضرائب التي لا مفر منها من أجل تمرير الموازنة وهناك أمر غريب نحن أمام صدور موازنة أو نتجه الى انهيار. كفى مزايدات من بعض الأفرقاء في الحكومة”.

ووزع شريط فيديو تبين فيه ان موكب شهيب تعرض لتهجمات من متظاهرين ونزل شهيب لمنع أحد مرافقيه من الاشتباك مع هؤلاء. وكشف شهيب لاحقاً انه بعدما تعرض موكبه للضرب والتكسير “نزلت من السيارة لمنع المرافقين من اطلاق النار”، موضحاً أنهم اضطروا الى اطلاق النار وانه طلب من العميد حمود إرسال دورية لاستلام المرافقين اللذين أطلقا النار في الهواء. وقال: “نعتذر عن اطلاق النار ونحن نتحمّل المسؤولية ونحن مع حقوق المتظاهرين ولكن ليس بهذه الطريقة”.

وسرعان ما تخذت التظاهرات ليلاً طابعاً شمولياً اذ تمددت في كل الاتجاهات والمناطق، ولا سيما الى منطقة المشرفية في الضاحية الجنوبية حيث حصل قطع طرق وتجمعات أطلقت هتافات ضد فرض الضرائب، ثم قطعت طريق المطار القديمة وطرق أخرى في المنطقة. كذلك، أفيد عن قطع طريق المصنع الدولية في الاتجاهين. ونظّم عدد من المواطنين تظاهرة في صيدا احتجاجاً على فرض ضرائب جديدة وجابوا الشوارع مرددين هتافات ضد السياسة التي تتبعها الحكومة. وسُجّلت تحركات لمجموعة من الشباب في منطقة ساحة النور وقطع للطريق أمام سرايا طرابلس. كما قطعت الطرق في خلدة وتعلبايا بإطارات مشتعلة واتسعت رقعة التظاهرات الى أقضية الجنوب. وقطع ليلاً أوتوستراد نهر الموت، والطريق الساحلية في زوق مكايل والكسليك وانتشر المتظاهرون بكثافة في وسط بيروت لجهة شارع المصارف. وقطعت أيضاً طريق المطار، وتضاعفت أعداد المتظاهرين في كل نقاط التظاهر في بيروت والضواحي. وأفيد أن القوى الأمنية والعسكرية وضعت في حال التأهب القصوى تحسباً لكل الطوارئ.

وإذ زاد ارتباك الوزراء في التعامل مع هذه الهزة المشهد تعقيداً وتخوفت أوساط معنية من الارتجال الذي طبع القرار الخاص باللجوء الى ضريبة “الواتساب” سارع وزير المال علي حسن خليل ليلاً الى اصدار بيان جاء فيه: “من حق الناس التعبير عن رفضها بطريقة سلمية ومن المهم أيضاً ان تعرف الناس اننا لم نوافق على أي قرار حول الواتساب أمس ولا حول غيره من الضرائب، ونحن ملتزمون الموازنة الخالية من الضرائب كما قدمناها إلى مجلس الوزراء”.

وتلاه الوزير محمد شقير معلناً باسم الرئيس سعد الحريري إيقاف موضوع الرسم على “الواتساب” وإسقاط فكرتها. وقال: “طلب الرئيس الحريري ايقاف فكرة وضع رسوم على واتساب التي اقرّها مجلس الوزراء بموافقة الجميع. بالتالي لن يكون هناك أي رسوم اضافية على تطبيق واتساب أو ما يشابهه”.

وأجرى رئيس الجمهورية العماد ميشال عون اتصالاً بالرئيس الحريري وتقرر عقد جلسة مجلس الوزراء اليوم في قصر بعبدا.

مشاورات الموازنة

وكانت أجريت مشاورات متلاحقة بعد جلسة مجلس الوزراء العادية التي انعقدت أمس في السرايا الحكومية برئاسة رئيس الوزراء سعد الحريري واستعيض فيها عن متابعة مجلس الوزراء البحث في مشروع قانون الموازنة العامة بالتمهيد لولادة الموازنة مع الاجراءات والاصلاحات المفترض أن تأتي أما ضمنها وإما بالتوازي معها.

وعلم ان المشاورات تركزت على الصياغات النهائية للمقترحات التي جمعت في ورقة من ١٣ صفحة ويفترض أن تقر ضمن الموازنة أو بالتزامن معها. كما علم ان هذه المشاورات التي شارك فيها ممثلون لكل الاطراف باستثناء “القوات اللبنانية” ترجمت شبه توافق بين القوى المشاركة على ولادة الموازنة اذا لم يكن اليوم الجمعة فغداً السبت أو حتى بعد غد الأحد، على ان تكون منتهية قبل الاثنين لتتمكن وزارة المال من تنقيحها في صيغتها النهائية الاثنين فتحال على مجلس النواب قبل الثلثاء ٢٢ تشرين الأول الجاري.

وفيما بدا واضحاً ان ثمة سلة اجراءات ضريبية لزيادة واردات الخزينة، مترافقة مع الموازنة حتى وان لم تكن ضمن المشروع، تبيّن أن بعضها أقر كرسم العشرين سنتاً على خدمة التخابر عبر الإنترنت و٧٥٠ ليرة على صفيحة البنزين اقرت منذ جلستين أو ثلاث كما كشفت مصادر وزارية، وبذلك يكون تم إلحاق المحروقات بضريبة الـ٣٪ على لائحة المستوردات، بعدما كانت استثنيت منها في الموازنة السابقة. وتقرر وقف التدرج ثلاث سنوات لموظفي القطاع العام.

وبينما كرر الوزير علي حسن خليل “التزامه عدم فرض ضرائب على الناس في الموازنة”، أشار الى “أن ضريبة “الواتساب” لا علاقة لها بالموازنة بل هي قرار وزير”. كما قال الوزير محمد فنيش “لم نصل بعد الى اتفاق حول أي سلة ضريبية”. وتبيّن ان المشاورات تركزت على كيفية التوصل الى صياغات نهائية شبه متوافق عليها، لمقترحات اختصرت بورقة من ١٣ صفحة هي خلاصة ما يجب بتّه سواء بتضمينه الموازنة أو مشاريع قوانين متزامنة أو قرارات حكومية.

وشارك في المشاورات، الى الرئيس الحريري الوزراء: علي حسن خليل ومحمد فنيش وجبران باسيل ويوسف فنيانوس ووائل بو فاعور وريا الحسن، وعاد الوزير الياس بو صعب بعدما كان غادر السرايا.

وبعد وقت، غادر بو صعب والحسن السرايا. وأوضح بو صعب ان الاجتماع كان ثنائياً بينهما.

غياب “القوات”

وإذ بدا لافتاً غياب “القوات اللبنانية” عن الاجتماع الذي ترأسه الرئيس الحريري في السرايا، نفى مصدر في “القوات” المعلومات التي تمّ تداولها عن استبعاد الحزب، وأكّد تلقّي الحزب دعوة لحضور الاجتماع “لكن قرار عدم المشاركة جاء نتيجة الصورة التي ستطبع النقاشات فيه خصوصاً لناحية تناوله إضافة مجموعة من الضرائب على اللبنانيين كما إقرار رفع مساهمات خطة الكهرباء من ٨٠٠ إلى ١٨٠٠ مليار ليرة لبنانية، وبالتالي قرار القوات واضح في رفض شتّى أنواع التسويات. كما أن القوات ترى أن الاجتماعات الرسمية تتم في اللجنة الوزارية للإصلاحات وفي جلسات مجلس الوزراء وتخشى أن يكون الهدف من وراء هكذا اجتماعات تمرير التسويات التي ترفضها”.

وتحدّث المصدر “عن غياب النيّة لدى معظم الأفرقاء للذهاب بالنقاشات بعيداً أو إلى العمق ما يُنافي مطلب القوات الأساسي بوجوب بتّ الإصلاحات الأساسية”.

وقال نائب رئيس الوزراء غسان حاصباني لـ”النهار”: “موقفنا هو بسلة اصلاحات واحدة وبخفض العجز وتحصيل الواردات المستحقة اَي تخفيف الهدر وضبط الجمارك بخطوات عملية فورية، وإطلاق الهيئات الناظمة فوراً. الانتظار لم يعد رفاهية متاحة والعبرة بتطبيق هذه الاصلاحات، والقرارات المطلوب تنفيذها انطلاقاً من تنفيذ خطة الكهرباء بتفاصيلها. لماذا نطلب لخطة الكهرباء في موازنة 2٠٢٠ هذا المبلغ ولم نحصل على جواب”. ولاحظ أن “هناك نوعاً من المساومات تحصل حول الموازنة ونحن لم ندخل فيها والاجراءات المتخذة ليست الاصلاحات المطلوبة”.

أما جلسة مجلس الوزراء، فقد بحثت في جدول الاعمال وأقر باستثناء بعض البنود أبرزها خطة المهجرين بسبب غياب الوزير غسان عطالله ووجوده خارج البلد. وأرجئ طلب وزارة المال اصدار سندات خزينة خاصة بالليرة اللبنانية بقيمة ٨٦٧،٩٧٥،١٨٩،٥٣ ليرة لبنانية لمدة خمس سنوات بفائدة سنوية لا تتعدى قيمتها ٨٠٪ من معدلات فوائد سندات الخزينة حسب المعدلات الرائجة في تاريخ ١٢/ ١١/ ٢٠١٨ أي ٥،٢٥٪. وهذا البند أرجئ بطلب من وزير المال باعتبار انه ليس أوانه الآن.