Beirut weather 15 ° C
تاريخ النشر April 1, 2016 10:34
A A A
ميرنا زخريّا تكتب حول “تديين السياسة وتسييس الدين”
الكاتب: موقع المرده

mirna zakhariya final

كتبت منسقة اللجنة النسائية في المرده السيدة ميرنا زخريّا في مقالها الشهري في مجلة أسواق العرب، التي تصدر من لندن وتوزّع في الدول العربية، موضوعاً تناولت فيه إستغلال وإستعمال بعض السياسيين للنصوص الدينية. والتالي مقتطفات من المقال التحليلي:
العنوان لوحده يعكس مدى التخبّط؛ فهل يا ترى، الفشل السياسي الذي نشهده في معظم البلدان العربية، يعود في عُمقه إلى أثر خلط الدين بالسياسة؟ وهل يا ترى، الإنفراج العربي سوف يكون على أيدي الذين سيقومون بتديين الدين وتسييس السياسة؟
لا توجد فكرة من دون حاجة ومن غير سبب، فالإحتياجات والغايات هي لبّ الموضوع؛ لذا، للسياسيين بشكلٍ عام، “حاجة، وهي وَفرة المُتابعين” كما ولهم “غاية، وهي وَهرة السُلطة”. وبما أن الإنسان هو مخلوقٌ يتمتّع بمعدلٍ من الذكاء، فقد استخدم الدين لفرض هيمنته؛ ذلك أن وَهرة ووَفرة الهيمنة من خلال الدين تجذب مجموعة أكبر من البشر، مجموعة تكون أصلاً مُتراطة في ما بينها من خلال الإنتماء الديني الذي يُدمِّجها ويُنمِّطها ويُوحِّدها.
… علماً ان عبارة تديين السياسة بمعناها الحقيقي تخلو من الدقّة الحقّة، إذ لا يجوز أن يُنسب الدين إلى السياسة، ذلك أنه من غير المألوف أن يُنسب العنصر الأكبر كتابعٍ للعنصر الأصغر، فكيف إذا كان هذا العنصر هو بحجم ديانة؛ وإلا فلما لا تُستعمل عبارات مثل تديين الإقتصاد وتديين الأمن وغيرهما، ربّما لأنها كلها غير مقبولة على أذن المستمع، لكن، يبدو أن للسياسة مجالاتها الفضفاضة والخاصّة.
… من المُتعارف عليه، أن يُصادفنا المُعارِضون والمُوالون تجاه غالبية الإنجازات السياسية؛ لكنْ ما ليس من المُتعارف عليه، هو أن يُصادفنا الإنقسام عينه تجاه مُحتوى الكتب السماويّة. وقد إستفاد البعض من هذا التباين، بعدما لاحظوا أن أسهل وأضمن وسيلة للدفاع عن آراءِهم، هي أن يربط الواحد منهم رأيه بأقوال ديانةٍ ما أو طائفةٍ ما، وأن يحتمي ساعتئذ وراءَ تصرّفه هذا. فتراهُ يُصبح بين ليلةٍ وضُحاها، إمبراطور زمانه عند شريحة باتت تعتبرهُ المُدافع عن قُدوتها وقناعتها وقيمها. وفي نهاية الجدل تختلط المعايير: فمَن ذا الذي سيخوضُ هجوماً ضدّ أعمال المؤمنين، ومَن ذا الذي سيقودُ اصطفافاً مع آراء الكافرين؛ ممّا يحدّ من إمكانية أن تاخذ القنوات السياسية مجراها الطبيعي، كيْ تُحاسَبَ تارةً لأنها على حقّ وطوراً لأنها على خطأ.
… وعليه، فإن التباين قائم بين حالتَي تديين السياسة وتسييس الدين: ففي الدين، مجال تعاظم وتكاثر التنازلات والمساومات مُغلق على مِصراعيه، وحين يقوم مسؤول ما بتديين موقف سياسي، فهذا معناه: أن قرارهُ هذا لا يقبل التنازُل أو المُساومة، لا بل هذا مؤشر إلى أنه ينويَ التشبّث به مهما حصل. أما في السياسة، فمَجال المفاوضات مفتوح على مِصراعيه؛ وحين يقوم مسؤول ما بتسييس موقف ديني، فهذا معناه على عكس ذاك: أننا سنشهد تغييراً ما على إحدى الثوابت التقليدية، وهذه الأخيرة غالباً ما تُسمى بالإجتهادات الدينية.
… أما لماذا الإصرار على فِعلَي التديين والتسييس، وما التعليل وراءَ إقحام الخلافات السياسية في الثوابت الدينية؟ فالإجابة بسيطة، وبسيطة جداً. إذ عندما يقوم فرد ما بتديين خلافٍ سياسيٍ، يُصبح ساعتئذ هذا الخلاف مُسبقاً غير قابل للحل، ذلك أنه لا يوجد حلول وُسطى في النصوص الدينية، فهي تقوم على قاعدة: هذا صحّ وهذا خطأ. وبالتالي، فإن الطرح الذي يختار الرجُل السياسي عرضهُ من منظورٍ ديني مُسيّس، فهذا يكون بمثابة دليلٍ على أنه لا يودّ مناقشته. وعليه، تحضّروا بعدئذ لمعركة طاحنة؛ فلوْ كان للوسطية من مكان ولوْ كان للحل من زمان ولوْ كان للتفاوض من أمان، لما أدخلت الأديان على يد الإنسان إلى قاعة البرلمان.