Beirut weather 23.12 ° C
تاريخ النشر September 9, 2019 07:34
A A A
هل تنجح فرنسا في دفع واشنطن وطهران نحو التفاوض المباشر؟
الكاتب: العميد شارل ابي نادر - موقع المرده

لا شك أن فرنسا اليوم وبقيادة الرئيس ماكرون، تلعب دورا مؤثرا في ادارة الاشتباك الساخن بين واشنطن وطهران، هذا الاشتباك المتعلق بملف الاتفاق النووي الايراني وانسحاب الاميركيين منه وارتباط العقوبات الأميركية الضاغطة على ايران، وما يتفرع عنه من ملفات حساسة – خلقتها واشنطن او ظهَّرتها على طريقتها التسلطية بطريقة مضخمة، من النفوذ الايراني في الشرق الاوسط ودوره في فرملة صفقات حل وانهاء القضية الفلسطينية، الى ملف ” التهديد الوجودي ” الايراني لاسرائيل، الى ملف الصواريخ الباليستية الايرانية وتأثيرها في اية مواجهة مقبلة.
حتى الان، يمكن القول ان فرنسا نجحت في عدة ملفات متشعبة او مرتبطة بملف الانسحاب الاميركي من الاتفاق النووي مع ايران، وهذه الملفات يمكن تحديدها بالتالي:
– المساهمة في وقف تدهور الاشتباك الايراني الاميركي الى مواجهة عسكرية، ودور باريس كان واضحاً في فرملة مشروع واشنطن لفرض قوة حماية بحرية في مضيق هرمز او في الخليج بشكل عام، الامر الذي كان – لو اكتمل – قد يسبب مواجهة عسكرية غير محسوبة، وقد ظهر واضحا التشدد الايراني ضده، واعلانها الصريح بانها سوف تذهب حتى النهاية في مواجهته، حيث تعتبره استهدافا قاتلا للسيادة وللمصالح القومية الايرانية في المنطقة وخاصة في مضيق هرمز .
– حتى الان، يمكن القول ان دور فرنسا كان اساسياً في وقف انسحاب الأوروبيين من الاتفاق النووي، وحيث أن المانيا وبريطانيا، وخاصة الاخيرة، كانت اقرب الى اللحاق بواشنطن والانسحاب من الاتفاق، كان الموقف الفرنسي فاصلا في تثبيت التزام الاوروبيين فيه، رغما من الانزعاج الأميركي والذي عبرت عنه واشنطن ضغطا حساسا على الاوروبيين في نقطتين على الاقل وهي: الضغط على الدول الاوروبية في حلف الناتو افي موضوع ضرورة زيادة مساهماتهم في تمويله، والنقطة الثانية في تفعيل اجراءآت أميركية جمركية مباشرة على البضائع الاوروبية.
لا شك ايضا – وارتباطا بالتوتر الاوسع بين واشنطن وطهران – كان لفرنسا الدور المؤثر في احتواء التوتر الاخير بين لبنان وحزب الله من جهة، وبين اسرائيل من جهة ثانية، والذي كان على خلفية رد حزب الله على الاعتداء الاسرائيلي على عناصره في سوريا وعلى موقع اعلامي له في الضاحية الجنوبية من بيروت، وصحيح ان الدور الفرنسي في هذا الملف تمثل في الاتصالات الديبلوماسية التي قامت بها باريس مع اغلب الاطراف، ولكن عمليا، طريقة احتواء اليونيفل لعملية حزب الله انطلاقا من الخط الازرق، حيث صلاحية الامم المتحدة ثابتة استنادا للقرار 1701، كانت مؤشرا على التفهم الفرنسي لتلك العملية وايضا كانت مؤشرا على التفهم الفرنسي لموقف السلطة اللبنانية الموحد والمؤيد للعملية ولرد حزب الله.
عمليا، يتواكب حاليا مع الوساطة الفرنسية تشددٌ اميركي، تمثل في زيادة منسوب العقوبات الاقتصادية على طهران، وتمثل ايضا ببدء واشنطن مناورة مطاردة ناقلات النفط الايرانية في البحار، أو على الاقل مطاردة ناقلات النفط ” المكتومة القيد ” والتي تشك واشنطن بملكية ايران لها، بالمقابل، نجد الطرف الاخر ( الايراني ) يعلن بصراحة وبشكل رسمي انه قرر الذهاب ابعد في خفض التزاماته في الاتفاق النووي، لناحية اكمال الإجراءات العملية نحو زيادة تخصيب اليورانيوم نحو معدل ما فوق 20 بالمئة واقترابه اكثر لصنع قنبلة نووية، او لناحية زيادة اجهزة الطرد المركزي، لكي تستطيع رفع نسبة التخصيب في اقصر وقت ممكن.
من ناحية اخرى، ما زال الرئيس الإيراني حسن روحاني، يعطي اشارات ايجابية نحو امكانية التوصل إلى اتفاق قريب مع الاتحاد الأوروبي بشأن الحفاظ على الاتفاق النووي، ممهلاً الأوروبيين شهرين آخرين لإنقاذ الاتفاق النووي، وقد ظهر ذلك من خلال اشتراط مساعد الشؤون السياسية للسياسة الخارجية الإيرانية، عباس عراقجي، عودة إيران إلى تنفيذٍ كامل لتعهداتها في الاتفاق بشرط تجميد او على الاقل تخفيف العقوبات، وبشرط حصولها على 15 مليار دولار لفترة أربعة أشهر حتى نهاية العام، والتي كانت فكرة فرنسية طرحها الرئيس ماكرون كمخرج للعقوبات الأميركية من جهة، ومن جهة اخرى لامكانية استفادة طهران في هذه العملية، من مبالغ تحتاجها بقوة نتيجة العقوبات الأميركية الخانقة عليها.
بالمقابل، ولِأن هناك مصلحة كبرى للدول الاوروبية في استمرار الاتفاق النووي مع إيران، لناحية العقود التجارية مع طهران، والتي سوف تنتعش وتتطور، ولناحية الأسعار المناسبة للاستهلاك وللصناعة الاوروبية، يمكن فهم الحراك الفرنسي في هذا الملف، حيث استطاعت باريس بديبلوماسيتها المعروفة، وبسبب اهتمامها التاريخي بملفات الشرق الاوسط، حيث كانت وما زالت تعتبر نفسها تاريخيا معنية اكثر من غيرها في فرض التوازن في المنطقة، استطاعت ان تخلق نقطة ارتكاز مهمة لناحية ضبط الصراع الايراني الاميركي، ويبقى ان احتمال نجاحها في دفع طهران وواشنطن نحو التفاوض هو احتمال كبير جدا وذلك للاسباب التالية:
– ضعف الموقف الأميركي حيث سلاح الضغط الاكثر استعمالا والتي عولت عليه كثيرا واشنطن، والذي هو سلاح العقوبات على ايران، لم ينجح كما اراد الرئيس ترامب، وذلك بسبب نجاح ايران في مناورة تصدير النفط بطريقة التهريب او الالتفاف على العقوبات، وبسبب حاجة الكثير من الدول للنفط الايراني المناسب كسعر وكنوعية، وايضا حيث ظهرت اهمية النفط الإيراني لدول مؤثرة مثل الصين واليابان وعدة دول اوروبية، مارست جميعها ضغوطا على واشنطن في هذا الملف حيث اعتبرت انها مستهدفة شخصيا بمصالحها اكثر من الاستهداف الاميركي لطهران.
– الحاجة الأميركية للبعد الاستراتيجي لقوة الاتحاد الاوروبي في الصراع مع روسيا ومع الصين، حيث لموقف الاوروبيين الفاعلين ( فرنسا – المانيا – بريطانيا ) في اي مواجهة اقتصادية او عسكرية استراتيجية، دور فاصل في هذا الصراع، الامر الذي يُبقي واشنطن غير بعيدة عن ارضاء الاوروبيين.