Beirut weather 23.12 ° C
تاريخ النشر September 9, 2019 06:04
A A A
بين الإجراءات الطوعية والقسرية… أيّهما يسبق؟
الكاتب: سابين عويس - النهار

ما بين الذهاب الى القرارات الموجعة طوعاً، والوصول اليها قسرا بفعل التقصير والاهمال والمماطلة، اختارت السلطة الحاكمة الخيار الاول قسرا، بعدما ثبت لها أن التراخي والتأجيل لم يعد ترفاً، والأصح أنه لم يعد متاحاً. ذلك أنّ المخاطر التي تهدد الدولة باقتصادها وعملتها وماليتها، لم تعد احتمالاً، بل باتت واقعا يلمسه اللبنانيون في تعاطيهم اليومي في مؤسساتهم وأعمالهم ومع مصارفهم.
لم تعد المشكلة الداهمة في مالية الدولة وعجزها المتنامي، بل تفجرت واقعا في المكان الأكثر إيلاما للمواطنين، وهو مدخراتهم وودائعهم وأعمالهم. وأصبحت المشكلة الاساسية اليوم متمثلة بالسيولة المفقودة، وهي أزمة، إذا تفاقمت ولم تتوافر لها مصادر ضخ في الاسواق وخزائن المصارف والصرافين، ستتحول أزمة نقدية تهدد الاستقرار النقدي الهشّ القائم حاليا بفعل التزام السلطة السياسية والنقدية بتثبيت النقد ودعم العملة الوطنية، وليس بفعل ثقة المودعين بعملتهم، واستطرادا بسلطتهم، وإلّا فما الذي يفسر حال القلق السائدة في أوساط المتعاملين واندفاعهم الى طلب كسر استحقاقات الودائع، إما لتحويلها الى الخارج وإما لتحويلها الى الدولار لدى حاملي الليرة؟. وليس ما يحصل في السوق الموازية إلا التعبير الأوضح لتلك الحال، علما أنّ ما قام به المصرف المركزي بالطلب الى الصرافين التزام السعر الرسمي، يدخل في إطار الرقابة على النقد. وعلم أنّ الصرافين الذين امتنعوا عن التزام طلب المركزي عمدوا الى التوقف عن مد السوق بالسيولة بالدولار، وفُهم انهم يدرسون الطعن بالقرار وكلفوا مكتب محاماة إعداد الدعوى.
وفي هذا الإطار، يكشف المستشار الاقتصادي لرئيس الحكومة نديم المنلا ان المحافظة على الاستقرار النقدي أمر ثابت، ولكن لا يمكن الاستمرار في تنفيذ هذه السياسة اذا لم يترافق ذلك مع بذل جهد رسمي لاستعادة الثقة بلبنان، مشيرا الى أن خطوات أساسية يجب اتخاذها في مهلة الأشهر الستة المتاحة وقبل انتهائها، لكن المشكلة أن الإرادة السياسية ليست متوافرة بعد.
لن تكون الرقابة على النقد، التدبير القسري الاول والأخير الذي يفرض نفسه على السوق، إذ إن المصارف تعتمد إجراءات قسرية- ومحقة- لتخفيف وطأة السحوبات والتحويلات الى الخارج، من خلال الامتناع عن كسر أي استحقاق قبل أوانه. وهو تدبير طبيعي، لكنّ تساهل المصارف في تطبيقه سابقا جعل تطبيقه اليوم يبدو أكثر تشددا ومعبّرا عن حال القلق السائدة حتى في الاوساط المصرفية، ولا سيما أن القطاع يتعرض ليس لضغوط الداخل القلق فحسب، وانما ايضا للضغوط الاميركية الناجمة عن تشدد الخزانة في تطبيق العقوبات على “حزب الله”.
وجاء قرار إدراج “جمال تراست بنك” الذي ذهب الى التصفية، ليثير المخاوف مجددا من الاندفاعة الاميركية الجديدة نحو القطاع، بعد أعوام من قرار إدراج “البنك اللبناني الكندي” عام ٢٠١١.
لكنّ أوساطا مصرفية مطلعة أكدت أن المصارف تلقت تطمينات أنه لن يكون هناك أي إجراءات جديدة تجاه المصارف، وعلم أن السفيرة الاميركية في بيروت إليزابيت ريتشارد نقلت هذه التطمينات الى المسؤولين اللبنانيين، باعتبار ان المستهدف هو “حزب الله” ومن يتعامل معه او يسهل تمويله، لا المصارف في شكل عام.
وعلى مقلب البحث عن السيولة، أظهرت حركة التجارة الخارجية ارتفاعا لافتا في الاستيراد ظهر واضحا في بند المنتجات المعدنية التي تمثل حركة استيراد النفط، اذ ارتفعت حتى أيار الماضي بنسبة ٥،٨٣ في المئة وسجلت ٣ ملايين دولار مقارنة بمليون و٣٦٠ ألفا للفترة عينها من العام ٢٠١٨، وهو ما فسّره خبراء بأنه ناجم عن استيراد النفط لمصلحة سوريا، بحيث تدفع في لبنان بالدولار مقابل صرفها بالعملة السورية او الذهب. ونقص الدولار بدأ يشكو منه اصحاب محطات المحروقات الذين يقبضون بالليرة ويسددون بالدولار!
في أي حال، تنشط هذا الاسبوع حركة الاجتماعات على محورين، الاول مالي إذ يترأس رئيس الحكومة سعد الحريري اجتماعا في السرايا يضمّ وزير المال علي حسن خليل وحاكم مصرف لبنان لمتابعة تطورات الوضعين المالي والنقدي وإمكانات التمويل المتوافرة لتحسين وضع السيولة، إضافة الى التحضير لمشروع موازنة ٢٠٢٠.
على المحور الثاني، يعقد اجتماع في وزارة الدفاع من أجل البحث في الآليات الواجب اعتمادها لضبط الحدود والمعابر غير الشرعية التي يتم من خلالها التهريب.
وعلى مقلب القطاع الخاص، تعقد الهيئات الاقتصادية لقاء مع وزير الخارجية والمغتربين، كما تلتقي رئيس الحكومة وفريقه الاقتصادي من اجل الاطلاع على الإجراءات المنوي اتخاذها، خصوصا ان الهيئات كانت استبعدت عن اجتماع بعبدا، وبالتالي ليست في صورة القرارات او الاقتراحات التي جرى تداولها.