Beirut weather 24.33 ° C
تاريخ النشر September 2, 2019 08:52
A A A
بعد ردِّه المدروس على العدو … هل يفرض حزب الله قواعد اشتباك جديدة تحمي الاجواء اللبنانية؟
الكاتب: العميد شارل ابي نادر - موقع المرده

كما كان متوقعا ومنتظرا، رد حزب الله على الاعتداء الاسرائيلي المزدوج على وحداته في سوريا، وعلى أحد مراكزه الاعلامية في لبنان، وكان ذلك امرٌ لا بد منه وخارج دائرة الشكوك او التكهنات، لدى العدو قبل الصديق، وتاريخ ومصداقية حزب الله في ذلك معروفة، خاصة عندما يتكلم امينه العام السيد حسن نصرالله بهذا الوضوح، وحيث كانت دائما هذه المصداقية لدى حزب الله هي المشكلة الاكبر بالنسبة للعدو، فقد تنفس الاخير الصعداء بعد ان أنتظر الرد على احر من الجمر، لكي ينتهي من سلسلة ضغوط رافقت فترة ما قبل الرد، من اجراءآت امنية واحترازية على الحدود وداخل الاراضي المحتلة بمسافة تتجاوز 6 كلم .
لقد عاش العدو قبل عملية حزب الله، والتي استهدفت آلية عسكرية على مدخل ثكنة افيفيم المقابلة لبلدتي مارون الراس ويارون الجنوبيتين، استنفاراً كاملاً في صفوف وحداته العسكرية، وايضا في اغلب قطاعاته المدنية القريبة من الحدود مع لبنان، أوحت وكأن الحرب كانت مندلعة بين لبنان وبين كيان العدو، ولكن فقط في الجهة الجنوبية منها، فشمال الحدود ( اي في لبنان )، كان يعيش المواطنون والاعلاميون والجنود اللبنانيون والمقاومون حياة عادية روتينية، هي اشبه بمهرجانات شعبية، تبدو وكأنها احتفالات بما آلت اليه الامور لدى كيان العدو من خوف ومن حذر، حيث بدا ضائعا ومحدود القدرة، صاحب ردة فعل ضعيفة ومقيدة، وكأنه غير عارف بتداعيات اعتدائه على لبنان والمقاومة، او كأنه لم يُحسن دراسة قراره وتقدير الموقف، كما من المفترض ان يقوم بذلك اي جيش عادي او اية دولة متوسطة القدرة الاستعلامية والتقديرية.
بالمقابل، كان حزب الله مرتاحا، متمكنا وواثقا، وقد إعتمد في ذلك على الكثير من العناصر والمعطيات التي جعلته، وعلى عكس العدو، عارفا الى اين يتجه في قراراته المرتقبة، ومن هذه المعطيات:
اولا: الثقة بقدراته العسكرية والتقنية، وبمعرفته الواسعة لميدان الرد على كافة الحدود بين لبنان وفلسطين المحتلة، وضمنا طبعا على المناطق الفاصلة مع ارضنا المحتلة في مزارع شبعا، وقد ترجم تلك الثقة بعملية محكمة، عمل على ايصال اكثر من رسالة للعدو او للصديق عبرها، منها التكتيكية بطريقة الوصول وتنفيذ العملية، والتي شكلت مؤشرا لما ينتظر العدو في مناورة الدخول الى الجليل عند اية مواجهة تفرض ذلك، ومنها التسليحية، حيث إستعمل احد اسلحته الخاصة النوعية ( الكورنت )، صائد دبابات الميركافا في حرب تموز 2006 ، والاستعلامية، حيث فاجأ الجميع بمكان اختيار العملية وحساسيتها بالنسبة للعدو كثكنة محصنة ورئيسة في القطاع الاوسط من الحدود مع لبنان.
ثانيا: استعداده المسبق لردة الفعل العدوة مهما بلغ مستواها، وذلك من خلال الثقة بقدراته في الاسلحة النوعية وبعناصر معادلة الردع الاستراتيجية، والتي بناها وثبتها على خطط واضحة وعلى مناورات محضرة ومدروسة، لناحية اختراق الاراضي المحتلة، او لناحية المناورة الصاروخية وطريقة الرد على اي عمل هجومي للعدو، او لناحية المواقع الاستراتيجية التي قرر استهدافها، داخل عمق العدو، وخاصة داخل المنطقة الحيوية والتي حدد ابعادها على الخارطة الامين العام لحزب الله في احدى المناسبات الاعلامية منذ فترة غير بعيدة.
ثالثا: الثقة باحقية ردَّه، لناحية القوانين الدولية ولناحية الاعراف، وايضا لناحية قواعد الاشتباك التي تثبتت مع العدو بالنار وبالقوة وبالديبلوماسية، حيث جاء الرد طبيعيا ومنطقيا وقانونيا على اعتداء واضح وموصوف، نفذه العدو على السيادة اللبنانية وعلى عناصر المقاومة الذين يحظون بالكامل بشرعية التحرك والعمل الميداني والعسكري، استنادا لسياسة الحكومة اللبنانية المحددة ببيانها الوزاري، وبالتحديد في الفقرة التي اشارت الى التأكيد على الحق للمواطنين اللبنانيين في المقاومة للاحتلال الإسرائيلي ورد اعتداءاته واسترجاع الأراضي المحتلة.
رابعا: الثقة التي خلقتها الوحدة الوطنية والتماسك والالتفاف حول المقاومة، والارتياح لقرارات المجلس الاعلى للدفاع، ولتصريح رئيس الجمهورية عن ان الاعتداء الاسرائيلي هو بمثابة اعلان حرب، وما تعنيه العبارة على الصعيد العسكري والاقتصادي والديبلوماسي والسياسي والوطني، ولموقف الرئيس الحريري المتقدم واللافت في هذا المجال، حيث كانت اغلب الاطراف الاقليمية والغربية، والمعارضة لمسار عمل حزب الله، تراهن على موقفه لناحية الاعتراض على اي رد – او على الاقل – على تحفُّظِه على الردّ.
بالنسبة للعدو ، لم يكن مناسبا ابدا تأخر حزب الله في رده، اذ كانت مشكلة كبرى له لو استغرق من الوقت اسابيع او اشهر لكي يقوم به، فالعدو حتما لم يكن باستطاعته تحمل تبعات ذلك الجمود والحذر القاتل في مناطقه الشمالية كل هذه الفترة، وما يعنيه ذلك من عزل لمنطقة كبيرة من اراضي الكيان عن عمقه الاجتماعي والاقتصادي، حيث يعتبر ذلك من خلال نتائجه، بمثابة ضربة استراتيجية (اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا )، تفوق تداعياتها ربما اضعاف واضعاف تداعيات ضربة عسكرية واسعة، صاروخية او برية او جوية.
من هنا، امام صعوبة الانتظار القاتل الذي لم تكن مستعدة اسرائيل لامتداه اكثر، وامام حتمية رد المقاومة والذي حصل بطريقة مدروسة ومتكافئة مع الاعتداء، وبمعزل عن حصول اصابات كما يؤكد حزب الله وكما تؤكد الوقائع العسكرية للعملية، او بمعزل عن عدم حصول اصابات كما اعلن نتنياهو ( رئيس حكومة العدو )، امتصاصا للصدمة وتنفيساً لقراره بالانصياع للعملية، فان اسرائيل:
– سوف تستوعب تداعيات عملية المقاومة في ثكنة افيفيم الحدودية، ومن المرجح انها، ومن خلال القنوات الوسيطة ( الغربية )، سوف تلتزم – بالاضافة طبعا الى ضمان عدم الرد – بالعودة الى قواعد الاشتباك السابقة لناحية عدم الاعتداء الغادر على عناصر حزب الله في اي مكان.
– سوف ترضح للبحث وللتفاوض غير المباشر، في ايجاد قواعد اشتباك جديدة، كان قد حددها امين عام حزب الله بطريقة غير مباشرة عندما قال بان المقاومة سوف تعمل على اسقاط المسيرات التي تخترق الاجواء اللبنانية، بحيث تقوم هذه القواعد الجديدة على عدم استباحة الاجواء اللبنانية بعد الان، وباحترام السيادة اللبنانية، على الاقل طبقا لمنظر القرار 1701.