Beirut weather 13.71 ° C
تاريخ النشر August 19, 2019 06:26
A A A
لا مصارحة ولا مصالحة
الكاتب: نايلة تويني - النهار

يستمر مسلسل احتقار اللبنانيين والكذب عليهم واستغلالهم في صراعات الكبار التي يدفعون ثمنها من غير ان يدروا. واذا ادركوا الحقيقة يكون ما فات قد فات. اليوم يحكى كثيراً عن المصارحة والمصالحة، كأن ما سبق من مصالحات لم يكن كافياً، أو كأن على كل فريق ان يوقع مصالحاته وتفاهماته ليتأكد ان لبنان بات جمهوريات لبنانية فيديرالية تتحاور في ما بينها وتتفق أو تختلف بمعزل عن الحكومة المركزية.
أقفل ظاهراً ملف حادثة البساتين، فيما الجمر لا يزال تحت الرماد، وطوي على زغل، بعدما وصل جميع الاطراف المعنيين الى طريق مسدود. لا منتصر في المحصلة، ولا يقتصر الامر على الفريقين الدرزيين، بل ان الرئاسة وجدت نفسها أيضاً في مأزق تعطل البلد، وشلل حكومته، والاخطار الاقتصادية والمالية الداهمة، وتضارب الاجهزة القضائية والامنية، ما بلغ حد تعريض الوضع كله للاهتزاز. والحكومة كادت ان تدخل في المجهول، وتسلك طريق اللاعودة، فيما مجلس النواب ينتظر ويراقب عاجزاً لانه جزء من اللعبة السياسية المعقدة أكثر من كونه سلطة رقابية.
عمل كل فريق على اظهار انه هو الرابح. الرئاسة الاولى التي رفضت التحول “شيخ صلح” عادت لترتضي بواقع المشيخة، لأن التأخير في اعتماد خيار “المصالحة” كلف البلد غالياً، وأضعف رصيد الدولة كلها، من رأسها الى آخر موقع رسمي فيها، خصوصاً ان الحل جاء عشائرياً ولم يسلك طريق المؤسسات والقانون، وانه انطلق بعد تحذيرات دولية ورسالة أميركية، ما يزيد ضعف الدولة وتراجع هيبتها.
الفريقان الدرزيان خرجا مهشمين، والمصالحة التاريخية في الجبل اهتزت، وشاب أهلها قلق كبير من الحاضر والمستقبل بعدما ايقظت التوترات السياسية شياطين الحروب في نفوس البعض. العلاقات المسيحية، وتحديداً بين “التيار الوطني الحر” و”القوات اللبنانية” زاد اندفاعها الى الهوة السحيقة التي لا عودة منها الى كنف اتفاق معراب الذي طواه الزمن القصير ولا يزال حزب “القوات” مصمماً على التمسك به رغم تحوله جثة هامدة. الوزير جبران باسيل الذي جال وصال في ملعب “البساتين” وجد نفسه في مأزق ورّط به حلفاءه والعهد كله، اذ تبين ان لا مكمن مدبراً له، وان من في يدهم الحل والربط اعطوا الضوء الاخضر للخروج من الازمة قبل خروجها كاملة عن السيطرة.
هكذا حلت الخلافات على مضض، وما سمي مصارحة كان أمراً مفروضاً لم يتناول القضايا الخلافية في العمق، بل تناول أسهل الطرق لتجاوز المرحلة، ولو مرحلياً، واذا كانت المصارحة انتفت، فعلامَ تقوم المصالحة؟
لا يهدف هذا الكلام الى نكء الجروح طبعاً، بل الى تذكير المعنيين ان ما يتردد في الاعلام عن مصارحة ومصالحة ليس حقيقياً، وان القيمين علينا في الدولة العلية لا يعالجون الامور والقضايا كما ينبغي لبناء ارضية صلبة للسلم الاهلي.