Beirut weather 24.05 ° C
تاريخ النشر August 15, 2019 06:31
A A A
لا تندهي ما في حدا!
الكاتب: الياس الديري - النهار

نعود من إجازة سريعة إلى المعزوفة المعروفة: تِرِلَم، ترِلَم. قد يكون “سيدر”، وقد لا يكون. قد يكون استقرار نسبي، وقد لا يكون. قد تعود دورة الحياة إلى الاقتصاد والأعمال، وقد لا تعود. الناس هم والأسباب هي هي.
مكانكِ ترقدي أو تستريحي. وعلى هذا المنوال منذ سبع وسبعين سنة. يوم شيخة يوم فريخة. يوم استقرار يوم استنفار. هذه هي حكاية ذلك اللبنان الذي لم يدَعوه يغنّي موّاله سوى مرحلة عابرة وسريعة. وهذا هو الوضع اللبناني اليوم بكامل حذافير أمراضه المُعلنة على صنوبر بيروت. ما أن تغيبَ فترة وجيزة حتّى يُسارع المُتربّصون إلى استدعائها.
والناس همُ همُ، حكّاماً ومسؤولين وشعوباً، يتربّصون بعضهم بالبعض. أمّا بالنسبة إلى الحُكّام فحدِّث ولا حرج. والواقع الراهن بتفاصيله الفاضحة لا يحتاج إلى مَنْ يشرح أو يُفسِّر.
أجدني اليوم غير مُقتنع بكل ما يُقال ويُعلن. فلبنان لا يمكن ان يبقى على ما هو عليه. والمظلَّة الدوليَّة التي عادت فاستأنفت نشاطها لإنقاذ البلد السائب من بلواه، إنّما جرَّبت مرَّة أخيرة لمنع “أهل الفتنة” من المضي قدماً.
أمّا بالنسبة إلى أهل الفساد فهم إيّاهم أيضاً، مع زيادة ضئيلة، نظراً إلى مواسم الزبالة التي طوَّقت لبنان من الجهات الأربع، وملأت أنهاره وسهوله وأوديته والكثير الكثير من شطآنه. أمّا بالنسبة إلى “منجم الكهرباء”، فالأمور مضبوطة ومُغطّاة من لدن أصحاب النفوذ والطموح، وعلى قدم وساق وفخذ، على ما يروي المطّلعون. والخلافات بالنسبة إلى العلاج مستمرّة.
علينا أن نتفاءل دائماً وأبداً، أيّاً يكن حال البلد. لكن الأشقّاء العرب لم يعودوا مولّهين بلبنانكم أيّها السادة الكرام والعظام. انكشفتم خلال المحنة الأخيرة، وأدرك الذين كانوا يهبُّون زرافات ووحداناً لنجدة لبنان اليتيم في الملمّات، أنّكم أنتم العلَّة وما إليها، وإلى الفساد بكل فروعه. وأنتم مَنْ يحول دون استقراره، وعودة الطمأنينة والأمن والأمان، على ما يروي واقع الحال وأحداثه. وعلى ما تقول أحاديث الناس.
أين لهفة المملكة العربيَّة السعوديّة، مثلاً؟ أينها، وهي التي كانت تهبُّ بكل محبَّة وزخم لتبذل الغالي والغالي أكثر، وبكل ما لديها من وسائل الدعم، وأساليب الإصلاح والمصالحة؟ أينها اليوم؟ أين الكويت التي اعتبر أهلها لبنان بمثابة وطنهم الثاني. استملكوا، بَنوا، سكنوا، صيَّفوا، اختلطوا، وبكل ارتياح ومحبَّة؟ أين دولة الإمارات العربيَّة، أين قطر، أين المُبدعون المصريّون في كل الحقول، والذين كانوا لا يفوّتون صيفاً أو فرصة؟
كان يا ما كان في قديم الزمان بلد صغير، ظريف، لطيف، خفيف الدمّ، لذيذ المناخ، شهيُّ الطعام، ليله متّصل بنهاره، وبحره ملازم لبرَّه، ودورة الحياة لا تستريح في الربوع الغنَّاء يدعى لبنان. كان…
منذ العودة من مؤتمر الطائف حيث تمّ الاتفاق والتفاهم على التعايش بين “الغيارى”، ولبنان يتنقَّل بين الخضّات. ودائماً على وهج الأزمات الكبرى. وخصوصاً بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري، رفيق لبنان الحقيقي، والوفيّ لوعود انتشال هذا اللبنان نهائيّاً من بئر الأفاعي والتخلُّف والاختلاف.
وكل يوم يتّضح أكثر من يوم أنّهم اغتالوه لمنع لبنان من العودة إلى ما كانه في الزمن الجميل، وحيث أمسى لحقبة موطن الإبداع في كل الفنون والحقول. ومقصد كل مَنٍ يُفتِّش عن الاستقرار والأمان وأطايب الزمان…
وها هو لبنان ذاته يُراوح ويتمرمر في المربَّعات ذاتها: لا تندهي ما في حدا…