Beirut weather 9.06 ° C
تاريخ النشر August 9, 2019 06:31
A A A
السياسة تطيح الإقتصاد
الكاتب: د. غازي وزني - الجمهورية

تفاقمت الأزمة السياسية في الفترة الاخيرة الى درجة تهدّد الاستقرار السياسي والامني، والاستقرار الاقتصادي والمالي والاجتماعي، وتظهر تداعياتها في شلّ عمل الحكومة وإضعاف مناعة لبنان المالية، وخسارة الآمال المبنية على مؤتمر «سيدر»، والتأخّر في مناقشة مشروع موازنة 2020 ضمن المهل القانونية والدستورية، وتأجيل الاصلاح في قطاع الكهرباء، والتوقف عن تنفيذ خطة «ماكنزي»، والتأخر في عملية التنقيب عن النفط والغاز.
تظهر تبعات الأزمة السياسية المُستفحلة على الوضع الاقتصادي والمالي، من خلال:
1- خفض الوكالات الدولية التصنيف الائتماني: يؤدي الخفض الى تزايد المخاطر وارتفاع معدلات الفوائد ممّا ينعكس على المالية العامة والاقتصاد، الى تراجع أسعار سندات اليوروبوند في الاسواق العالمية، وزيادة الضغوط في سوق القطع، وابتعاد المستثمرين العالميين عن الاصدارات اللبنانية، وخسارة ثقة المودعين، كما يفرض الخفض اضطرار المصارف الى زيادة رساميلها وملاءاتها ومؤوناتها.
تستند وكالة التصنيف الدولية S&P في تقييمها الى العوامل الآتية: العامل السياسي بشكل أساسي، المالية العامة، الوضع المالي والنقدي، النمو الاقتصادي، ميزان المدفوعات (الحساب الخارجي).

2- تفاقم الأزمة الاقتصادية: تدخل الازمة السياسية الاقتصاد في انكماش، وفي تَقلّص معدل النمو الى الصفر نتيجة تراجع الاستهلاك، وزيادة جمود القطاع العقاري والمشكلات المالية للمقاولين، وزيادة انخفاض نشاط القطاع التجاري، واضطرار أصحاب المؤسسات الى إقفالها وصرف موظفيها وعمالها ما يزيد من معدلات البطالة، كما تزيد الأزمة من مشاكل القطاع الصناعي نتيجة تراجع صادراتها والاغراق والتهريب، ومن صعوبات القطاع الزراعي.

3- التأخر في مناقشة مشروع موازنة 2020: تؤدي الازمة السياسية الى تعطيل مجلس الوزراء، وعدم مناقشة مشروع الموازنة الذي بات جاهزاً في وزارة المال مع إصلاحاته، وخفضه للعجز، وتضمّنه إجراءات لاحتواء الدين العام وكلفته، وخطة خمسية لإنقاذ الوضع الاقتصادي والمالي. كما يخشى ان يؤدي التأخر للعودة الى الفوضى المالية، والهدر والفساد، وخسارة الخزينة العامة أموالاً ضخمة، وإضعاف سلطات الرقابة على الانفاق العام والمشاريع الاستثمارية والصفقات التجارية.

4- خسارة تعهدات وآمال مؤتمر «سيدر»: تؤدي الازمة السياسية الى فقدان ثقة المجتمع الدولي والدول المانحة، كما تؤدي الى تأخر الحكومة في تنفيذ الاصلاحات المطلوبة منها في المؤتمر على صعيد المالية العامة والحوكمة والشفافية وتعيين الهيئات الناظمة ومجالس الادارات، فضلاً عن انها تؤدي الى التأخير في إعداد المشاريع الاستثمارية الضرورية للبنية التحتية، ولاسيما المتعلقة بالنفايات والصرف الصحي والطرقات…

5- تأجيل الاصلاح في قطاع الكهرباء: تُعقّد الأزمة إمكانية توافق القوى السياسية على الاصلاحات المُدرجة في خطة الكهرباء على صعيد زيادة الطاقة الانتاجية من خلال بناء المعامل، ورفع التعرفة في بداية العام المقبل، وخفض الهدر الفني والتقني. كما تتسبّب بتفاقم العجز في المؤسسة (ثلث عجز الموازنة) في الفترة المقبلة، والانعكاسات السلبية على المالية العامة والمواطنين والاقتصاد.

6- التأخّر في التنقيب عن النفط والغاز: تؤدي الازمة السياسية الى تراجع ثقة الكونسورتيوم النفطي وتردّده في بدء عملية تنقيب عن النفط والغاز في نهاية العام الحالي، كما تؤدي الى تأجيل إطلاق مناقصة التراخيص الثانية في بداية العام 2020، وخسارة لبنان فرص الاستفادة من ثروته النفطية والغازية لصالح الدول المنافسة له في المنطقة (إسرائيل، قبرص، مصر، سوريا، الاردن)، إضافة الى خسارة رهانه ان يكون للثروة النفطية دور رئيسي في معالجة مشكلاته المزمنة الاقتصادية والمالية، وجَذب كبار المستثمرين ورجال الاعمال والشركات العالمية.

7- زيادة تدهور ميزان المدفوعات: تؤدي الازمة الى انخفاض اضافي في التدفقات المالية، والاسثمارات الاجنبية المباشرة، والتحويلات، والاستثمارات المالية، وتفاقم عجز الميزان التجاري، مع الاشارة الى انّ عجز ميزان المدفوعات بلغ في الاشهر الخمسة الاولى من السنة مستويات قياسية قارَبت 5,3 مليارات دولار، بعد ان سددّ مصرف لبنان استحقاقات للدولة بقيمة 3,5 مليارات دولار.

8- تأزّم الوضع المالي: تؤدي الازمة الى إضعاف مناعة لبنان المالية نتيجة أجواء الخوف والقلق المسيطرة حالياً على المودعين والمستثمرين، والتي تتسبّب بزيادة التحويلات الى الدولار، في سحوبات نقدية بالعملات الاجنبية من قبل المودعين، وفي خروج الودائع من لبنان، وفي إضعاف نمو القطاع المصرفي، وفي استنزاف احتياطات مصرف لبنان بالعملات الاجنبية التي ازدادت في شهر تموز بين 1,5 وملياري دولار نتيجة الهندسة المالية لتصل الى 37 مليار دولار، وجعلت ميزان المدفوعات يسجّل فائضاً هذا الشهر.

في هذا الاطار، يجدر أن نشير الى انّ الليرة اللبنانية مستقرة في المدى المنظور بسبب احتياطات مصرف لبنان بالعملات الاجنبية، وتوفيره استحقاقات الدولة بالعملات الاجنبية حتى نهاية العام (2,5 مليار دولار) وبسبب سياسة تعقيم السيولة بالليرة، وتوفّر سيولة مرتفعة بالعملات الاجنبية في القطاع المصرفي.

دخل الاقتصاد والاوضاع المالية في مرحلة الخطر الحقيقي نتيجة تصاعد السجالات السياسية المهددة للاستقرار الامني. وتتحمّل القوى السياسية، في حال رفضها معالجة أزمتها السياسية، مسؤولية إطاحة الاستقرار الاقتصادي والمالي، وخسارة المواطنين مدّخراتهم وأعمالهم وممتلكاتهم، وتزايد مظاهر البطالة والفقر والهجرة في المرحلة المقبلة.