Beirut weather 27.86 ° C
تاريخ النشر July 30, 2019 08:55
A A A
هل تنجح واشنطن في جَرّ بريطانيا للمواجهة مع ايران في الخليج؟
الكاتب: العميد شارل ابي نادر - موقع المرده

حتى الآن، ورغم الكثير من المحاولات الظاهرة او الخفية، لم تستطع واشنطن فرض منظومة عسكرية بحرية لحماية العبور في مضيق هرمز، وحيث اختارتها لتكون اوروبية المصدر، بعد اقتناعها بصعوبة تشكيلها من وحدات اميركية ومن وحدات اقليمية من الدول المتخاصمة مع ايران، يبقى تشكيل هذه القوة دونه الكثير من العقبات.
بداية، حددت الأمم المتحدة في اتفاقية جامايكا لقانون البحار عام 1982، أن مياه البحر التي تملك دولة معنية السيادة عليها، تمتد لمسافة 12 ميلا بحريا او ما يساوي 22 كلم انطلاقا من سواحلها أو إقليمها البري، وبموجب مقتضيات السيادة البحرية تمارس الدولة على بحرها الإقليمي سيادة كاملة، لكنها تسمح لسفن جميع الدول ساحلية كانت أو غير ساحلية بحق المرور في بحرها بحيث يكون المرور سريعا ومتواصلا ولا يضر بمصالح الإقليم البحري.
من هنا، يعطي القانون الدولي الحق كاملا لايران بممارسة الاجراءآت التي تؤمن أمنها ولا تضر بمصالحها المشروعة، وحتى الان، وبرغم العديد من الاتهامات والادعاءآت الغربية وخاصة الاميركية، لم تخالف ايران القانون المذكور وبقيت جميع ممارساتها ضمن اطار بنوده، وحتى في توقيفها للناقلة البريطانية، لم يجد المجتمع الدولي اية ثغرة قانونية لادانة طهران او لاتخاذ اجراءآت دولية رادعة لها على خلفية الموضوع.
هذا الالتزام الايراني بالقانون الدولي البحري، والمضاف اليه – حتى الان – عدم رغبة من الدول الاوروبية بالانسحاب من الاتفاق النووي، وَضَعَ الاخيرة في موقع غير الموافقة على فكرة واشنطن بتشكيل قوة بحرية دولية اوروربية الطابع، الامر الذي يمكن استنتاجه من ما قالته وزيرة الجيوش الفرنسية فلورنس بارلي منذ ايام، في مقابلة مع صحيفة فرنسية: ” إن باريس ولندن وبرلين تنوي تنسيق جهودها وتقاسم المعلومات في منطقة الخليج لتعزيز الأمن البحري، ولكن من دون نشر قوات عسكرية إضافية، وحيث اضيف على تصريح الوزيرة الفرنسية ما قاله ثلاثة دبلوماسيين من الاتحاد الأوروبي الثلاثاء الماضي، إن فرنسا وإيطاليا والدانمارك دعمت الفكرة، لكن متحدث باسم وزارة الخارجية الألمانية قال اليوم إنه من المبكر مناقشة كيفية مشاركة برلين في مهمة بحرية بقيادة أوروبية لضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز.
صحيح أن بريطانيا رفضت مقترحا ايرانيا يقضي باطلاق سراح الناقلتين الايرانية والبريطانية تباعا، و
صحيح ايضا انها بدأت بتفعيل إجراءات حماية السفن التي تحمل علمها في مضيق هرمز، من خلال تعزيز قاعدتها البحرية في البحرين، ومن خلال تكليف الفرقاطة الحربية البريطانية “مونتروز” أول مهمة مواكبة للسفن الانكليزية العابرة في المضيق، ولكن تبقى هذه الاجراءآت عادية من الناحية العملية، حيث لن تقبل ايران باختراق سيادتها ومياهها الاقليمية ومخالفة القانون الدولي، وسيكون عبور الفرقاطة العسكرية “مونتروز” او غيرها من السفن الحربية في هرمز عاديا، ولن يضيف جديدا على اجراءات العبور الموجودة اساسا، او التي تنفذها ايران مؤخرا على خلفية التهديدات المتبادلة، والتي يمكن ان تضعها طهران – فيما لو صدر عن هذا العبور اي تهديد لسيادتها – تحت سقف اتفاقية جامايكا الدولية، لناحية حقها القانوني بمواجهة كل ما يضرّ بمصالح اقليمها البحري، وما نشرته مؤخرا ايران من مشاهد عن إنكفاء السفينة الحربية البريطانية من المواجهة مع زوارق حرس الثورة الاسلامية اثناء قيامها بإحتجاز ناقلة النفط البريطانية ستينا أمبرو، يبقى خير دليل على قواعد الاشتباك التي تضعها ايران بالقوة في هرمز والخليج، والتي لا يبدو أنها سوف تتراجع عنها، لان في ذلك التراجع لو حصل خسارة استراتيجية لن تستطع تعويضها.
من جهة اخرى، اعلن المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية ، هوا تشونينغ، ان بلاده : ” ترحب بمفهوم الأمن في الخليج، والذي اقترحته روسيا، ونحن مستعدون مع الاطراف المعنية لتعزيز الاتصالات والتعاون بشأن هذه القضية، و ينبغي لدول المنطقة، اتباع أساس الاحترام المتبادل وعدم التدخل في شؤون البلدان الأخرى، وتعزيز علاقات حسن الجوار، كما ينبغي للمجتمع الدولي أن يؤيد هذا ويلعب دورًا بناءً “.
وجاء الاقتراح الروسي من ضمن مفهوم حماية الامن في الخليج العربي، ليرفض نشر قواعد عسكرية أجنبية في المنطقة، وللعمل على إبرام اتفاقات للحد من الأسلحة، وإنشاء مناطق منزوعة السلاح وحظر تكديس الأسلحة التقليدية المزعزعة للاستقرار، والالتزام بالشفافية المتبادلة في المجال العسكري، والحوار بشأن العقائد العسكرية، وإنشاء خطوط ساخنة.
من هنا، وفي ظل هذه التعقيدات الدولية التي تظلل مشروع نشر قوة بحرية اوروبية او مختلطة، لفرض حماية العبور في مضيق هرمز، من دون موافقة ايران او من دون إشراكها، خاصة أن الاخيرة تشدد دائما وبقوة بأنها المسؤولة الاولى عن امن الخليج …
وفي ظل تقديم روسيا مقترح شامل ومتوافق مع القوانين الدولية، ويحظى بموافقة صينية، لتنظيم وتحقيق الامن في الخليج، وفي ظل ما أعلنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، من أن بلاده لن تكون شرطيا في مضيق هرمز لحماية سفن الدول الغنية مثل الصين والسعودية واليابان، الامر الذي يمكن تفسيره بابتعاده مؤقتا من المساهمة بالقوة البحرية الدولية المزمع انشائها في الخليج …
يبقى السؤال الذي يفرض نفسه : كيف ستناور الولايات المتحدة الاميركية لمحاولة فرض اجندتها في الخليج ؟ وهل ستعمل على تسعير الخلاف بين ايران وبريطانيا تمهيدا لانسحاب الاخيرة من الاتفاق النووي، ام انها سوف تكتفي بالعمل لإدخال ملف ” أمن العبور في هرمز ” من ضمن ملف التفاوض المرتقب مع ايران، وذلك بعد ان تجعل منه نقطة للنقاش وللمساومة مثل مواضيع الخلاف الاساسية، كالصورايخ الباليستية والنفوذ الايراني في المنطقة وتعديل الاتفاق النووي؟