Beirut weather 26.33 ° C
تاريخ النشر July 19, 2019 04:55
A A A
الحكومة تضمن التصويت على الموازنة… ووزير المال يعِد بآخر قطع حساب
الكاتب: البناء

مشهد الصفيح الساخن الحاكم في المنطقة والمرشح للاستمرار حتى انتقال إيران للستين يوماً الثانية من برامج التصعيد، يشكل خلفية حاضرة في مواقف الأطراف المحلية، حيث بدت العقوبات الأميركية الأخيرة على نائبين من حزب الله في مناخ مناقشة الموازنة العامة في مجلس النواب رسالة سياسية عن ماهية العلاقة التي تسعى واشنطن لفرضها مع الدولة اللبنانية، على قواعد جديدة تقول مصادر متابعة إن ربط الوضع المالي بمستقبل الحكومة ومشاركة حزب الله فيها يشكل الهدف الفعلي لنهاية طريق هذا المسار، وهو مسار لا ينفصل عن إعادة ضخ الدماء في شرايين قوى الرابع عشر من آذار، سواء عبر تصعيد وتفعيل حركة حزب القوات اللبنانية اللافتة من بوابات غير مسبوقة وليس لها مقدمات كالتصويت ضد الموازنة أو التحرك في ملف العمالة الفلسطينية بلغة التصعيد والمواجهة المنفردة، بعيداً عن أي تنسيق مع رئيس الحكومة في ملفات هو المعني الأول بها، ومثله تحرك رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب السابق وليد جنبلاط، عبر جعل الاستقطاب في مواجهة رئيس التيار الوطني الحر معياراً للتحالفات والخصومات المعروضة على رئيس الحكومة، وما يعنيه ذلك من وضع التسوية الرئاسية وبالتالي وجود رئيس الحكومة في منصبه على المحك، ليلتقي التحرّكان مع مساعي رؤساء الحكومة السابقين في السعودية والرسائل الواردة من الاجتماع الذي عقدوه مع الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز، سواء لجهة الدعوة لفصل الدولة اللبنانية عن حزب الله ليتسنى لها تلقي الدعم المالي، أو لجهة التذكير باتفاق الطائف من باب صلاحيات رئيس الحكومة كمدخل لفتح ملف التسوية الرئاسية.

مصادر واسعة الإطلاع قالت إن الارتباك كان واضحاً في مواقف رئيس الحكومة سعد الحريري ورده التقليدي على كلمات النواب في مناقشة الموازنة، وكأنه لا يريد من هذه المناقشة سوى الخروج بالموازنة، ريثما يتسنى له رسم خطواته اللاحقة وهو محاصر بين دعوة جنبلاط له لتغطيته في مواجهة الدعوة لإحالة حادثة قبرشمون إلى المجلس العدلي، وبين حاجته لتفعيل الحكومة وما يقتضيه ذلك من تفاهم مع رئيس الجمهورية المتمسك بالإحالة، ما ترجم بغياب المساعي التي يشكل ملفا الحكومة وقبرشمون عنوانها.

رد وزير المال على كلمات النواب تضمّن تعهداً بأن تكون موازنة العام 2020 آخر موازنة ترافقها متأخرات قطع الحساب لموازنات سابقة، بينما خطفت الأضواء مواقف أخرى عن نقاشات الموازنة كان أبرزها كلام رئيس المجلس النيابي عن سقوط الإجراءات الجديدة لوزارة العمل بحق الفلطسينيين المقيمين في لبنان، والإعلان المفاجئ للنائب نواف الموسوي عن استقالته من المجلس النيابي.

 

 

المجلس أقرّ صيغة عون لقطع الحساب

وافق المجلس النيابي على الصيغة المقدمة من رئيس الجمهورية وتكتل لبنان القوي بالإجازة للحكومة ستة أشهر لإنجاز قطع الحساب عن العام 2017 وقطوعات الحساب من العام 1997 حتى العام 2016. وسجل نواب حزب القوات والكتائب اللبنانية والنواب أسامة سعد وجميل السيد وبولا يعقوبيان وفيصل كرامي وجهاد الصمد اعتراضهم عليه، معتبرين انه مخالفة صريحة وواضحة للدستور. وبعد التصويت على مقترح قطع الحساب الذي سيضاف الى قانون الموازنة رفع رئيس المجلس النيابي نبيه بري الجلسة إلى الثالثة من بعد ظهر اليوم على أن يبدأ المجلس التصويت على الموازنة بنداً بنداً ثم على الموازنة كلها.

وبحسب المعلومات فإن كتلتي التنمية والتحرير والوفاء للمقاومة ستصوتان مع الموازنة كما أُحيل من لجنة المال الى المجلس النيابي، وتحدثت معلومات «البناء» عن مخاوف لدى لجنة المال من اتجاه لتحالف بين رئيس الحكومة سعد الحريري وتكتل لبنان القوي لإسقاط التعديلات التي أدخلتها اللجنة على المشروع وإعادة الأمور الى ما كانت عليه في مشروع الحكومة. علماً أن موقف الحزب التقدمي الاشتراكي غير واضح حتى الساعة رغم ترجيحات نيابية أنه سيصوت مع الحريري.

ويبدو أن الموازنة تشق طريقها نحو الإقرار بسلاسة بأغلبية المجلس بعد توافق الكتل النيابية الكبرى على تمريرها، وذلك بعد أن تم ايجاد صيغة توافقية للضريبة على المستوردات واستبدالها بفرض ضريبة على السلع التي تخضع على ضريبة القيمة المضافة.

 

 

خليل: ليست موازنة «لقيطة»

وكانت مداخلات النواب انتهت مساء أمس، وتلى بعدها وزير المال علي حسن خليل كلمته كاشفاً أنه «ليس صحيحاً أن بعض الكتل أو الوزراء اعترضوا على الموازنة في مجلس الوزراء»، وقال: «نحن من الذين اعترضوا على مواد في الحكومة وسنصوّت في المجلس النيابي ضدها». وأشار إلى أن «هناك عيناً تراقب واذناً تسمع في الخارج تتطلع لما سيصدر عنا في المجلس النيابي وخارجه». ورأى أن «علينا أن نعي تداعيات أي كلمة او موقف عن وضع المالية العامة وتصنيف لبنان». وأعلن خليل أن «من خلال كلمات النواب تبيّن وكأننا امام موازنة «لقيطة» وكأن احداً لم يشارك في صياغة بنودها وارقامها».

وإعتبر أن «كل المهل الدستورية كسرتها خلافاتنا السياسية وتجاوزنا في كثير من الأحيان المصلحة العامة». وكشف وزير المال أن «نسبة النمو التي ارتكزنا عليها في الموازنة هي نفسها نسبة النمو التي أعلنها صندوق النقد الدولي في تقديراته الصادرة في كانون الثاني عام 2019». وأوضح أن «التصاعد في العجز جاء نتيجة سلسلة الرتب والرواتب والزيادة في خدمة الدين العام والتحويلات للبلديات والتغطيات على سلف كهرباء لبنان»، وتوقّع أن «يصل العجز في الـ2019 إلى 151 بالمئة». وأكد خليل أنه «لم نمسّ بالرواتب والأجور ولكن علينا أن نلتفت إلى تضخم هذه الكتلة من الرواتب والأجور والمعاشات»، وشدّد على أن «»سيدر» ليس أداة ولا يرهن أحداً».

وقال: «التعديلات التي قمنا بها هي تعديلات جوهرية تصحيحية إصلاحية ولا علاقة لها بحقوق الناس فقط بل بحق الدولة بالقدرة على البقاء والاستمرار».

بينما فضل الرئيس الحريري عدم الدخول في سجالات ومزايدات واعتبر في مداخلته أنّ « الرؤية الاقتصادية موجودة ومعلنة ومفصلة في البيان الوزاري، وأساسها عرضناه في مؤتمر سيدر، وأصبحت معروفة في البلد، وأكدها البيان الوزاري لحكومتنا، الذي على أساسه أخذنا الثقة، ومشروع الموازنة الذي هو أمامكم هو ركيزة أساسية من ركائز الرؤية الاقتصادية». وأشار الحريري الى أن: «اليوم، نقر موازنة 2019 ومشروعنا خفض العجز 4 نقاط من الناتج المحلي، وهذه الخطوة بكل المقاييس الدولية هي جدية كبيرة، يجب أن نُكمل بها في السنوات الـ3 المقبلة».

 

 

حراك العسكريين

وعلى الساحة المحاذية لساحة النجمة كانت ساحة الشهداء تشهد حراكاً حاشداً للعسكريين المتقاعدين الذين كانوا يتابعون عن كثب مداولات ووقائع الجلسة، وقد عمدوا الى إحراق الإطارات وقطع الطريق لبعض الوقت، ووقع اشكال مع القوى الامنية وشرطة المجلس النيابي بعد أن حاولوا تخطي السياج الحديد والاقتراب من المجلس، وحصل إشكال بين المتظاهرين انفسهم بين العميد المتقاعد مارون خريش الذي فضل التصعيد لفشل الأساليب السلمية وبين العميد المتقاعد جورج نادر الرافض لذلك».

وبحسب معلومات «البناء» فإن تحرك الأمس كان بروفا وتمهيداً للتحرك الكبير والحاسم اليوم الذي قد يدفع المتظاهرين للدخول الى ساحة النجمة»، وأشارت المعلومات الى أن «المعتصمين كانوا سيتابعون اقتحام الساحة لكنهم توفقوا بعد أن أبلغوا من داخل المجلس النيابي بأنه لا تصويت في الجلسة وأنه أجل الى اليوم».

في المقابل أعرب وزير الدفاع الوطني الياس بو صعب عن أسفه لرؤية العسكريين المتقاعدين يتظاهرون للمطالبة بحقوقهم، وقال في حديث تلفزيوني إن «مهمتنا أن ندافع عنهم لكننا أيضا في وضع اقتصادي صعب وهناك الكثير من الهواجس لدى العسكريين المتقاعدين غير موجودة في الموازنة فهناك تضخيم بالمعلومات التي تصلهم».

وحذر العسكريون المتقاعدون من «مغبة الاستمرار في البنود المتعلقة بالعسكريين بالموازنة التي يتم طرحها، ومن خطوات تصعيدية، في حال عدم التراجع عنها، ووصفوا عملية التصويت على الموازنة بالإجرام بحق اللبنانيين. وأكدوا أنه «إذا أقرت البنود المتعلقة بالعسكريين فسيكونون رأس حربة في المعارضة الشعبية ضد السلطة».

 

 

مفاوضات «البساتين» مكانها…

ولم تمنع مناقشات الموازنة من مواصلة المساعي لإيجاد المخرج الآمن من مأزق حادثة البساتين في الجبل والعودة الميمونة لجميع المكونات الى طاولة مجلس الوزراء، وسجل هامش الجلسة اجتماع ثلاثي جمع الحريري والنائب تيمور جنبلاط ووزير الصناعة وائل ابو فاعور، وآخر جمع الحريري وشهيب ووزير الدفاع الياس بو صعب، حيث قال الحريري رداً على سؤال عن مساعيه في هذا الشأن «ان شاء الله خير»، علماً ان ابوفاعور كان قال صباحاً عن هذه المسألة «تم تقديم مبادرة ورفضها الطرف الآخر وليست المبادرة الأولى التي يتمّ رفضها».

كما سجلت أكثر من دردشة بين الحريري والوزير أكرم شهيب بعد أن انتقل الاول الى مقاعد النواب وجلس الى جانبه.

وغرّد رئيس الحزب «التقدمي الاشتراكي» النائب السابق وليد جنبلاط على «تويتر» بالقول: «وهكذا ينتظر الموقوفون في حادثة البساتين فتاوى كبار المشرّعين والقانونيين من أمير الزمان وريث السنهوري الجريصاتي الى ربما تشكيل محكمة ميدانية وفق الأحكام العرفية أمثال المهداوي وكل ذلك ولم يسلّم حتى هذه اللحظة أحدهم من السياح في الموكب المسلّح في البساتين. جرّبوا محكمة المطبوعات».

على صعيد آخر، أعلن عضو كتلة «الوفاء للمقاومة» النائب نواف الموسوي تقدّم بطلب استقالته من مجلس النواب، وقدّم كتاباً بهذا الشأن الى رئيس مجلس النواب نبيه بري، وأبلغ حزب الله مضمون الاستقالة. الا أن أمانة مجلس النواب أعلنت أنه لم يصلها حتى الساعة أي كتاب من الموسوي. وقال الموسوي لقناة الجديد: «أردت أن أتحمّل مسؤولياتي ولا أحمّل حزب الله اية تبعات، وأنا حاضر لكل ما يترتب عن هذه المسؤوليات».

 

 

وقائع الجلسة

وكانت الجلسة انطلقت صباح أمس، في المجلس النيابي برئاسة بري وكانت اولى الكلمات للنائب فيصل كرامي الذي اعتبر أن «هذه الحكومة هي ابتلاء ولا يوجد أمامنا سوى التعامل مع هذا الابتلاء كأمر واقع يعيشه لبنان واللبنانيون منذ ربع قرن». وقال «منحت الحكومة ثقة مشروطة وهذه الشروط لم تنفذها والتصويت بنعم أو لا على هذه الموازنة لن يغير شيئا ولن أكون شاهد زور في هذه التركيبة السلطوية ولن أسجل على نفسي الموافقة على الموازنة وأمتنع عن التصويت عليها». فرد الحريري بالقول: «اللقاء التشاوري ممثل بالحكومة ولم نسمع منه اي انتقاد للموازنة».

ورأى النائب جهاد الصمد ان «التسوية الرئاسية بدل ان تكون خطوة على طريق محاربة الفساد تحولت الى تسوية للمحاصصة والزبائنية ووضع اليد على كل مفاصل البلاد»، مشيراً الى ان «في الظل المحاصصة والزبائنية والنهب والفساد والسرقة، فإنني سأصوّت ضد الموازنة».

وجدّد نواب القوات اعتراضهم على مشروع الموازنة مذكّرين بأن وزراءهم سبق ان سجّلوا تحفّظهم عليه في مجلس الوزراء.

أما الانطباع السائد عن مجمل الجلسات، فعبر عنه عضو تكتل لبنان القوي النائب سليم عون حيث قال: «ألغيت كلمتي والسبب أنني لن أستطيع أن أعدّل صورة المجلس السيئة التي سوقنا لها والانطباع السيئ الذي تركناه لدى الرأي العام». فسأله النائب نديم الجميل: «لماذا عدلت عن كلمتك وما الذي تقوم بفعله الآن؟»، فرد عليه عون قائلا: «ما تساجلني، روح العب قدام بيتك»، ليحتدم السجال بشكل كبير، إلى حد قول عون للجميل: «يقولون اللي خلّف ما مات… لكن اللي خلّف مات وشبع موت». فردّ الجميل «لست هنا لانني ابن ابي بل خمسة آلاف واحد صوتوا لي في الاشرفية»، فأجابه عون «انا 6000 صوتوا لي في زحلة»، فاستطرد الجميل «بيي أقوى من بيّك».

وأكد عضو كتلة الوفاء للمقاومة النائب علي فياض «أن لبنان أمام رباعية قاتلة: أزمة المالية العامة والفساد والطائفية والترهل الإداري»، مشدداً على أنه «يجب أن نتحرّر من الحساسيات السياسية في لبنان».