Beirut weather 20.46 ° C
تاريخ النشر July 17, 2019 08:17
A A A
لماذا يحاول الاوروبيون حماية الاتفاق النووي مع ايران وهل ينجحون؟
الكاتب: العميد شارل ابي نادر - موقع المرده

في الوقت الذي يعلن فيه المتحدث باسم وزارة الخارجية الايرانية عباس موسوي أن طهران ستبقى ملتزمة بالاتفاق النووي الموقع عام 2015 مع الدول الخمس الاعضاء الدائمين في مجلس الامن بالاضافة الى المانيا، بنفس مستوى التزام تلك الدول به، مع اشارته الى أن بلاده تأمل من أوروبا اتخاذ خطوات عملية لانقاذ وتنفيذ الاتفاق، تحاول الولايات المتحدة الاميركية احداث شرخ بين طهران والاوروبيين حول الاتفاق.
لقد ذهبت مؤخرا ايران وهي مرغمة، نحو فك التزاماتها من الاتفاق، بعد أن حاولت كثيرا اعطاء الفرصة تلو الاخرى للاوروبيين، شركائها في الاتفاق، لانقاذه من خلال ما التزموا به، وحيث كانت تلك الالتزامات تقضي على الاوروبيين تأمين منظومة تجارية متكاملة مع طهران، بدأت بالغاء العقوبات الاقتصادية الاوروبية عليها بالكامل، واستيراد نفطها مقابل عقود تجارية واسعة، أساسها يقوم على استيراد ايران لعدد كبير من السلع والمنتوجات والصناعات الاوروبية، والتي حُرمت منها اسواقها لمدة تجاوزت الثلاثين عاما، يبدو ان ايران، وبعد أن فقدت الامل من قدرة الاوروبيين على تجاوز انسحاب الاميركيين من الاتفاق، دخلت في مسار التحرر من تلك الالتزامات، خاصة لناحية زيادة نسبة تخصيب اليورانيوم، والاقتراب قدر الامكان من امكانية امتلاك قنبلة نووية، فيما لو عادت وقررت ذلك.
في الوقت الذي تقول فيه فرديريكا موغوريني وزيرة الخارجية في الاتحاد الأوروبي بعد اجتماع لوزراء خارجية الاتحاد في بروكسل: ” ان الاتفاق النووي بوضع غير جيد ولكنه ما زال حيا “، يبدو من الحراك الواسع الذي تقوم به تلك الدول الاوروبية، عبر الاجتماعات والمبادرات المتعددة الاتجاهات والاتصالات المكثفة، انها ستحاول المستحيل لحماية هذا الاتفاق، فلماذا هذا الاصرارالاوروبي لحماية الاتفاق؟ وهل ينجحون في ذلك بالرغم من الموقف الاميركي القوي الذي اعتبره منتهيا؟
في الحقيقة، ومن خلال متابعة الحراك الاوروبي الجدي في حماية الاتفاق النووي حاليا، والذي كان سبقه اصرار لافت للتوصل لهذا الاتفاق، يمكن تحديد المصالح الاوروبية من انقاذ هذا الاتفاق كالتالي:
– لتأكيد عدم ارتهان الدول الاوروبية للتوجيهات وللقرارات الاميركية، ولمحاولة امتلاك الاتحاد الاوروبي هامش مستقل عن الادارة الاميركية وغير مرتبط بسياستها.
– لمحاولة تحرير الاقتصاد الاوروبي من هيمنة نظيره الاميركي، وخاصة لناحية الاستفادة من ميزات التعامل الحر مع ايران دون اي تأثيرات تجارية اميركية، وهذه الميزات يمكن ان يكتسبها الاوروبيون من خلال فتح اسواق التبادل التجاري مع طهران من دون قيود المنظومة المالية الاميركية والمتمثلة بالآلية الدولية لتحويل الاموال، والتي تسيطر عليها الولايات المتحدة الاميركية.
– لكسر معادلة طالما اثبتها الاميركيون حتى الان، وتقوم على ان ما يقررونه على صعيد السياسة الدولية يُنفذ، وعلى الجميع ومن ضمنهم الاوروبيين، اللحاق بركب واشنطن في اي ملف له طابع دولي، سياسي او ديبلوماسي او اقتصادي.
– لمحاولة الفوز بالعقود التجارية الضخمة، والتي كان قد وفرها لهم الاتفاق النووي مع ايران، وخاصة في مجالات الصناعات والتكنولوجيا المتطورة، والتي تتعرض في اغلب الاسواق العالمية لمنافسة اميركية قاسية، وذلك مع السياسة غير العادلة التي تمارسها واشنطن في رفع الرسوم الجمركية على البضائع الاوروبية.
– الاتحاد الاوروبي يعول كثيرا على مساعدة ايران لدوله من الناحية الامنية وعلى صعيد الاستعلام المخابراتي، وذلك في موضوع محاربة الهجرة غير الشرعية من الشرق الى اوروبا، وفي موضوع التنسيق في محاربة الارهاب، خاصة ان النفوذ الايراني في الشرق الاوسط يؤمن لطهران قاعدة ضخمة من المعلومات، والتي تساهم في كشف ومتابعة الخلايا الارهابية، التي يكون مصدرها الشرق واهدافها على الساحة الاوروبية.
هذا لناحية مصلحة الاتحاد الاوروبي في حماية الاتفاق النووي، ولكن هل ينجح في ذلك؟
لا شك ان هناك صعوبات كبيرة تواجه دول الاتحاد اليوم لحماية الاتفاق النووي مع ايران، اولها القدرة الأميركية على توجيه السياسة الدولية بنسبة كبيرة باتجاه الغاء الاتفاق الحالي وتوقيع اتفاق آخر، يتضمن نسبة اكبر من الشروط والالتزامات والقيود على ايران، وحيث تعتبر واشنطن بقيادة الرئيس ترامب صاحب العقلية التجارية، انها تبحث عن صفقة مناسبة لها اكثر، فمن الطبيعي ان تكون هذه الصفقة على حساب ايران وعلى حساب الطرف الآخر، والذي وقف مع طهران ضد واشنطن عندما قررت الانسحاب من الاتفاق طمعا بتلك الصفقة الانسب، وهذا الطرف هو الاتحاد الاوروبي .
من ناحية اخرى، لا يمكن، وكما هو ظاهر حتى الان، ان تستطيع الولايات المتحدة الأميركية ان تفرض قرارها بمواجهة اغلب اطراف المجتمع الدولي الآخرين، وخاصة الاقوياء منهم، كروسيا والصين بالاضافة للاتحاد الاوروبي، وحيث يدعم هؤلاء ايران، على الاقل بالخفاء ومن تحت الطاولة، في موقفها الثابت والصامد حتى الان بمواجهة واشنطن، يبدو أن الحل في النهاية سيذهب باتجاه تسوية مناسبة لجميع الاطراف، تقوم على مطلب ايران الاساسي حاليا بالغاء العقوبات الاقتصادية عليها، وعلى مطلب واشنطن باعادة النظر بالاتفاق النووي، اذا لم يكن مباشرة من خلال مضمونه الاساسي، فربما بطريقة غير مباشرة من خلال ملحق يضاف اليه، يأخذ بعين الاعتبار بعض مطالب الاميركيين من جهة، ويثبت من جهة اخرى بعض المفاهيم والمواقف الايرانية التي لا يمكن التنازل عنها.