Beirut weather 28 ° C
تاريخ النشر July 9, 2019 07:27
A A A
هل تحول انسحاب الرئيس ترامب من الاتفاق النووي إلى اشتباك اميركي – دولي؟
الكاتب: العميد شارل ابي نادر - موقع المرده

بداية، كان يبدو أن الانسحاب الاميركي من الإتفاق النووي مع إيران سوف يسلك من دون صعوبات، بالرغم من كونه اتفاقا دوليا مُلزِما للدول التي وقَّعته، والتي هي الدول  الخمس الدائمة العضوية في مجلس الامن زائد المانيا وبرعاية الأمم المتحدة، والسبب ان الدولة المنسحبة ( الولايات المتحدة الاميركية) تُعتبر الطرف الأقوى على الصعيد الدولي وصاحبة النفود الواسع، كما أنها تملك الكثير من عناصر الضغط المؤثرة على اية دولة بحيث تدفعها للانصياع والانجرار خلفها.

لاحقا ومع مرور الوقت، تبين أن هناك الكثير من المعوقات التي ظهرت في وجه الاميركيين بعد انسحابهم من الاتفاق، كما وبرز الكثير من المشاكل على الصعيد الدولي، خلقت اشتباكا واسعا، تجاوز الاشتباك الايراني الأميركي، ليصل إلى اشتباك اميركي دولي وذلك على الشكل التالي:

مع المنظومة الدولية، ظهرت الولايات المتحده الاميركيه تلك الدولة المارقة غير المؤهلة للالتزام بتعهداتها، خاصة وأن انسحابها من الاتفاق النووي تواكب تقريبا مع انسحابها من معاهدة خفض الصواريخ القصيرة والمتوسطة المدى، الأمر الذي أخلّ بدرجة عالية بألتوازن العالمي الذي كانت قد حققته تلك المعاهدة بعد عام 1987.

مع الروس، تطور الخلاف في وجهات النظر حول الملف لدرجة استطاعت موسكو التصويب وبنجاح على واشنطن بكونها دولة غير مؤهلة للالتزام بتعهداتها الدولية، ووقفت ( روسيا ) في هذا الملف مع إيران بشكل واضح وصريح، كما وبلغ الامر حد استعداد موسكو لتأمين تصدير النفط الإيراني باسمها وعلى مسؤوليتها.

مع الصين، لم يكن الأمر مختلفا عن الاشتباك مع روسيا، وتطور بشكل اوسع واكثر حدة بعد التهديد الأميركي بفرض عقوبات اقتصادية على الصين اذا ما تابعت استيراد النفط الإيراني، وحيث كان دائما يعتبر النفط الإيراني اساسيا للاقتصاد الصيني، نوعية وكمية ولناحية السعر المناسب، فقد انتقل الاشتباك الى اشتباك اقتصادي واسع، لناحية فرض كل دولة رسوما مرتفعة على منتجات الدولة الأخرى، وبدأ الكلام عن حرب تجارية واسعة بين الدولتين.

مع الاتحاد الأوروبي، بدا  الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي عمليا وكأنه يستهدف الاتحاد الأوروبي، حيث إلّتَغَت اغلب  العقود التجارية لدوله مع إيران بسبب التهديد الأميركي للشركات المعنية بتلك العقود، وازدادت الضغوط الاميركية على الدول الأوروبية سياسيا واقتصاديا لدرجة أرادت منها واشنطن إظهار الاتحاد الأوروبي وخاصة الدول الاساسية منه ( فرنسا وألمانيا) كدول تابعة لواشنطن ومن دون قرار ذاتي حتى لو كان ذلك على حساب مصالحها القومية.

اليوم، وبعد ان اثبتت إيران انها دولة عنيدة ولا تنصاع للتهديدات وللضغوط الاقتصادية والعسكرية، وبعد أن عادت طهران الى تخصيب اليورانيوم متحررة من قيود الاتفاق بعد الإخلال به من الطرف الأميركي، وبعد فشل الدول الأوروبية في حفظ حقها من بنود الاتفاق لناحية الحماية الاقتصادية والتجارية، والتي كانت باساس بنود الإتفاق، وبعد أن توسع الاشتباك الاميركي ليصبح مع اغلب الدول الفاعلة والمؤثرة على الصعيد العالمي، لا بد لواشنطن من مراجعة حساباتها …

فهل بدأنا نلمس شكلا من اشكال تراجع واشنطن من خلال ما نسمعه من تصويب أميركي على ضرورة التزام طهران بوقف تخصيب اليورانيوم كما نص الاتفاق النووي، فيكون الأميركيون عادوا للالتزام به بطريقة غير مباشرة من دون الإعلان عن ذلك، وتنطلق مفاوضات لتسوية الملف برعاية شبه دولية، وبمساهمة فعالة من الدول المذكورة والتي إشتبكت جميعها مع الأميركيين.