Beirut weather 33.06 ° C
تاريخ النشر July 8, 2019 06:41
A A A
“سرَطانان” يفتكان بالوطن: التوطين والفساد!
الكاتب: ريـمون شاكر - النهار

فـي الوقت الذي يدرس نصف مـجلس النواب موازنة 2019 فـي لـجنة الـمال، والتـي درسها وزراؤهم فـي الـحكومة طوال عشرين جلسة، وإلى حيـن الانتهاء من الدراسة ثـمّ الـمناقشة الاستـعراضية، فـي الـمجلس وأمام الشاشات، يكون عدد اللاجـئيـن الفلسطينيـيــن والسوريــيـن قد زاد نحو 8000 لاجئ، وهو عدد الأطفال الذيـن سيولدون فـي هذه الفتـرة. وتكون قيمة الأموال الـمنهوبة فـي الدولة قد ارتفعت 600 مليون دولار، إذ تُقدَّر كلفة الفساد بنحو 5 مليارات دولار فـي السنة، وتشمل هذه الكلفة خسائر القطاع العام جرّاء الـهدر والنهب والتهـرّب الـجمركي والضريـبـي والـمناقصات الصوريّة والتوظيف العشوائي للأزلام والـمحاسيب فـي الوزارات والإدارات العامة والبلديات.
فـي كل حال، إدرسوا ما شئـتـم أيـها النواب، ولكن تذكّروا أنه لـم يبق من السنة سوى أقلّ من ستة أشهر، وعليكم تـحضيـر موازنة 2020، وإيـجاد حلول سريعة للوضع الاقتصادي والـمعيشي الذي ينذر بكارثة اجتـماعية، وللسرطانيـن اللذيـن يفتكان بالوطن: التوطيـن والفساد.
إنّ حديث السيد حسن نصرالله عن النازحيـن والتوطيـن جاء بـمثابة تـحذير واضح من الخطر الذي سيواجه لبنان فـي الـمستقبل القريب، بعدما أصبح 50 فـي الـمئة من سكانه من الفلسطيـنيـيـن والسوريـيـن.
قبل إعلان “صفقة القرن”، وبـحكم الأمر الواقع، استوطن الفلسطيـنـيـون لبنان منذ 71 سنة، وهم باقون فيه، لأنّ اليهود الصهاينة اغتصبوا أرضهم، واستوطنوا فيها، ولأنّ حقّ الـعودة سقط، وسبق أن أعلن ذلك أكثـر من مسؤول فلسطيـنـي.
أمّا السوريون، فـهم موجودون عندنا منذ 8 سنوات، ويتكاثرون بشكل تصاعديّ. فالـخصوبة العالية فـي مـخيّمات اللاجئـيـن لا يـمكن إيقافـها، ولا يـمكن أيّ سياسة أن تـحدّ من ولادات السوريـيـن، ما يـجعل عدد الولادات السنوية بيـن اللبنانيـيـن والسوريـيـن شبه متقاربة، وإذا احتسبنا ولادات الفلسطيـنيـيـن يصبح عدد ولادات اللاجـئيـن أكبـر من ولادات اللبنانيـيـن.
لقد سـمّينا السوري باللّاجئ عمداً، لأنّ هناك خطأ شائعاً يردّده السياسيون ومعظم الناس، فيسمّون الفلسطيـنـي باللاجئ، والسوري بالنازح. فيـما الإثنان لاجئان، وخطر توطينهما متساوٍ. فالنازح هو الشخص الذي يتـرك منطقته ويتوجه إلى منطقة أخرى ضمن البلد نفسه. والعوامل التـي تدفعه إلى النـزوح كثـيـرة، ولكن أهـمّها انعدام فرص العمل، التعليـم والفقر. وفـي الغالب يعود النازح إلى منطقته الأصلية فـي حالة انتفاء عوامل الدفع، لأنه لا يزال فـي بلده.
أمّا اللاجئ، فهو الشخص الذي يتـرك بلده إلى بلد آخر خوفاً على حياته، (كما حصل مع الفلسطيــنـي والسوري)، ولا يتـمّ اللـجوء إلاّ بـموافقة الدولة الـمستقبِلة له. هذا اللاجئ لا يعود بسهولة إلى بلده إذا طالت فتـرة لـجوئه، لأنه يعتاد نـمطا معيّـنا من الـحياة ويتأقلـم مع الـمجتمع الـمُضيف، وخصوصاً إذا توافرت له سبل حياة أفضل.
إنّ الأطفال السوريـيـن الذين يولدون فـي لبنان، ويتعلّمون فـي مدارسه، وغداً سيعملون فـي مؤسّـساته، ويأكلون من خيـراته، ولا يعرفون شيئاً عن وطنـهم، لـن يعودوا طوعاً إلى سوريا، لا هم ولا أهلـهم، مهما كانت التطمينات.
لقد ربطت السلطات الروسية عودة اللاجئيـن السوريـيـن بإعادة إعمار سوريا، وربط الـمجتمع الدولـي عودتـهم بالـحلّ السياسي، فـهل يـمكن لبنان أن يــنـتظر عشرات السنيـن، كما انتظر يائساً عودة الفلسطينيـيـن؟
لا يكفي أن تكون مقدّمة الدستور قد أكّدت رفض التوطيـن، ولا يكفـي أن يصرّح الـمسؤولون بأنـهم ضدّ التوطيـن، كما يـجب عدم الاكتفاء بقول الرئيس بشار الأسد إنه “يرحّب بعودة النازحيـن ويضمن أمنهم وأمانـهم”. بل يـجب وضع خطّة لبنانية – سورية مشتـركة بغطاء روسي وأميـركي، وبإشراف الأمـم الـمتحدة، تبدّد مـخاوفـهم وهواجسهم وتقدّم لـهم مساعدات وإغراءات مالية مقابل عودتـهم إلى ديارهـم.
إنّ حجم الـخسائر الاقتصادية التـي لـحقت بلبنان نتيجة أزمة اللجوء السوري، بلغ نحوي 25 مليار دولار، بيـنما لـم يـحصل لبنان إلاّ على نحو 11 مليار دولار على شكل مساعدات. وانـخفض الناتـج الـمحلي من 8 ٪ عام 2011 إلى أقلّ من 1 ٪ عام 2019، وازدادت نسب البطالة والفقر والـهجرة إلى مستويات كارثية.
إنّ توطيـن الفلسطيـنـيـيـن صار واقعاً مفروضاً وإن مرفوضاً، والـخوف أن يصبح توطيـن السوريـيـن مطلوباً ومفروضاً.
أمّا السرطان الثانـي الذي يفتك بالوطن وينـخر لـحمه وعظمه وموازناته وإيراداته، فهو الفساد الـمتغلغل فـي كل مفاصل الدولة. فعلـى الرغـم من أخبار الإثراء غيـر الـمشروع واستغلال النفوذ التـي تضـجّ بـها الـمجالس اللبنانية، لـم تُشكَّل حتـى الآن الـهيئة القضائية العليا لـمحاربة الفساد، ولـم يُطبّق قانون “من أين لك هذا”؟
سنكتب عن موضوع الفساد مطوّلاً فـي مقال آخر لضيق الـمجال، ولكن الـمشكلة كما وصفها أحدهم: فاسدون ضدّ الفساد، وأغبياء ضدّ الـجهل، ومنـحرفون ضدّ الرذيلة. تلك معالـم مشهد بات يـتكرّر بانتظام.
باحث وكاتب سياسي