Beirut weather 8.21 ° C
تاريخ النشر July 18, 2016 05:51
A A A
لبنان 1961 وتركيا 2016… محاولتان متشابهتان!
الكاتب: سركيس نعوم - النهار

ذكّرت محاولة الانقلاب على الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وحزبه الإسلامي أو “المحافظ” اللبنانيّين المخضرمين بمحاولة الانقلاب التي قام بها على الرئيس اللبناني “الجنرال” فؤاد شهاب عام 1961 مجموعة قليلة من الضباط والتي أُحبطت بعد ساعات من انطلاقها.

السبب الأول للتذكير الفشل السريع للمحاولة التركية. والسبب الثاني عدم اشتراك غالبيّة قيادات الجيش وقطعاته فيها. والسبب الثالث الارتجال الذي رافق التنفيذ. والسبب الرابع هو رفض الشعب التركي بغالبيته وبأحزابه حتى المعارِضة منها الانقلاب العسكري في المُطلق.

طبعاً لا بد من انتظار عودة الأمور إلى طبيعتها في تركيا، وذلك قد يستغرق بعض الوقت، رغم الفشل المبدئي للمحاولة، قبل إطلاق الأحكام على ما حصل، وقبل الانطلاق في التكّهن حول مستقبل الرئيس أردوغان واستمرار دوره وحزبه في البلاد. لكن في هذه الأثناء يمكن القول انطلاقاً من المتابعة اليوميّة للأوضاع التركيّة أن المحاولة الفاشلة قد تكون الأخيرة التي يقوم بها الجيش التركي لتغيير ما لا يعجبه في مسيرة الحكم والدولة على الأقل في المستقبل المنظور. فقبل وصول “العدالة والتنمية” إلى السلطة، وأيام كانت العلمانيّة الصافية إذا جاز التعبير على هذا النحو الحاكمة الوحيدة وكان الجيش هو الحامي لها بموجب الأعراف والقوانين والدستور، كان يُنفّذ تطهير سنوي للعناصر العسكريّة المشكوك في علمانيّتها أو المشتبه في إنتمائها إلى تيّارات أو أفكار دينية وتحديداً إسلاميّة – سياسيّة. والهدف كان تلافي قيام حركة إسلاميّة في الجيش قد يسمح توسّعها والتغاضي عن وجودها بمحاولتها الانقضاض على النظام وتغييره. ورغم ذلك لم يستطع هذا الجيش منع حزب العدالة والتنمية “الإسلامي” أو المحافظ من الوصول إلى السلطة ديموقراطيّاً، رغم أنه نجح فعلاً وأكثر من مرّة في إجهاض تجربة أحزاب وزعامات إسلامية عدة في الحكم رغم وصولها إليه بوسيلة ديموقراطية هي الانتخابات.

أمّا الآن وبعد 14 سنة من الحكم ومن “التطهير المضاد” الذي مارسه أردوغان وحزبه داخل المؤسّسة العسكريّة في حق العناصر العلمانيّة وبعدما شرّع أبوابها أمام إسلاميّيه والإسلاميّين الآخرين فقد صار من الصعب تحرّكها ضدهما إلاّ إذا أُدخلت تركيا مرحلة تصارع بين إسلاميّيها. وهذا أمر كاد أن يحصل يوم افترق “حزب العدالة والتنمية” وتحديداً رئيسه أردوغان عن حليفه الداعية الإسلامي التركي فتح الله غولن، صاحب الوجود المهم في قطاعات الدولة كلّها الإداريّة والأمنيّة والقضائيّة والتربويّة والإعلاميّة والاعمالية، أي في أوساط النخبة. علماً أن وجوده الشعبي لم يكن قليلاً أيضاً. لكن أردوغان كان واعياً فجرّد حملة اجتثاث لغولن وأنصاره حيثما كانوا متّهماً إيّاهم بالضلوع في محاولة الانقلاب عليه بالسياسة وبالعسكر. واستمر فيها ونجح إلى حد كبير في دفع هؤلاء إلى الابتعاد. فتجنّب الصراع السياسي الداخلي بين الإسلاميّين، كما قضى على عوامل تحوّله صراعاً شعبياً دمويّاً. وهو سيعمد من دون أي شك إلى متابعة تطهير المؤسّسات المدنيّة والعسكريّة والأمنيّة من أعدائه تلافياً لوقوعها في إغراء الانقلاب عليه.

هل يُضعف ما حصل أردوغان رغم نجاحه في إحباط المحاولة الانقلابيّة؟

لا يزال متيناً في الداخل. لكن إشعاله الحرب ضد الحزب الديموقراطي الكردستاني التركي الانفصالي، أو ربما عدم قيامه بما يلزم لمنع تجدّد الحرب معه ومع أكراد تركيا، سيتسبّب له ولبلاده بنزيف دائم. واضطراره إلى التراجع عن مواقف اتخذها في لحظات غضب وإن عن اقتناع من روسيا وإسرائيل ومصر وسوريا وربما غيرها قد يكون حكيماً. لكنّه قد يخفّف من وهجه مع الوقت وخصوصاً إذا عادت علاقاته مع النظام السوري إلى سابق عهدها.

في اختصار تبقى تركيا ديموقراطيّة حتى الآن على الأقل. وقد أنقذها أردوغان وشعبيّته والأحزاب المعارضة له وغالبيّة الجيش. إلاّ أن المهم الآن أن يحافظ على هذه الديموقراطيّة فلا تدفعه المحاولة الإنقلابيّة إلى جعلها بوليسيّة، وهذا ما يتّهمه به أخصامه منذ ما قبل حصولها. علماً أن علاقات بلاده مع أميركا وعضويتها في حلف شمال الأطلسي يجب أن تساعده على المعالجة الهادئة والحازمة في آن، وأن تدفعه إلى التخلّي عن الأحلام المستحيلة التحقيق لأن الواقع يؤهّل دولته إلى دور كبير أهم من دورها في أحلامه.