Beirut weather 8.21 ° C
تاريخ النشر July 18, 2016 05:41
A A A
بعد سقوط العثمانية بالضربة القاضية
الكاتب: البناء

أردوغان يربح بالنقاط جمهورية إخوانية بعد سقوط العثمانية بالضربة القاضية
عشرة آلاف معتقل وتركيا بلا جيش وقضاء… إعدامات في الشوارع وقطع رؤوس
*

بمقدار ما نجح الرئيس التركي رجب أردوغان في تجريد تركيا من الجيش والقضاء بإخراج تركيا من الانقلاب إلى تصفية الحساب، بمقدار ما أخرج تركيا من مكانة الدولة الفاعلة، التي ترتبط فاعليتها الإقليمية بقوة جيشها وحضوره وتماسكه مع سائر المواقع الحاكمة في الدولة، ومكانة الدولة العصرية التي ترتبط بالقضاء القوي والمستقلّ. لم تعد تركيا دولة، بل صارت جمهورية للإخوان بعدما أدّت التطوّرات المتتالية منذ شهور، إلى تكريس سقوط مشروع السلطنة العثمانية، وجاء الانقلاب ليؤكد السقوط بالضربة القاضية، بينما كرّس فشل الانقلاب نجاح أردوغان بربح جمهوريته الإخوانية بالنقاط، لكن بسيل من الدماء في شوارع المدن والثكنات مع تصفيات جسدية وقطع رؤوس نفذها مناصرو أردوغان، تفادياً للخضوع لمعادلات المحاكمات وإثبات الصلة بالانقلاب والعجز عن العودة لعقوبة الإعدام.

عشرة آلاف معتقل ومئات القتلى من كبار الضباط والقضاة هم حصيلة تصفية الحساب حتى الآن، والسجال المفتوح مع واشنطن حول تسليم الداعية فتح الله غولن الذي يشكل الأب الروحي لأردوغان، وحملات أوروبية وغربية تحذّر من الانتقامات البعيدة عن القانون، وتعليقات تتهم أردوغان بفبركة الانقلاب، وتستغرب وصول الاعتقالات إلى مستشار الرئيس للشؤون العسكرية، وقادة الجيوش والأسلحة الرئيسية، وقضاة المحكمة الدستورية، بعد ساعات على فشل الانقلاب، وكيفية إثبات صلة آلاف القضاة بانقلاب عسكري، هذه هي الحصيلة التي حملتها ساعات ما بعد الانقلاب العسكري الفاشل، الذي شكل زلزالاً سيلقي بتداعياته وظلاله على المشهد التركي طويلاً، وعبره وبسبب موقع وحجم ومكانة تركيا على الكثير مما حولها والبعيد عنها.

الواضح أنّ الغرب والشرق ظهرا في التعامل مع الانقلاب من واشنطن إلى موسكو وصولاً إلى طهران، يفضلان اللعبة السياسية التركية بتعقيداتها على تركيا العسكرية، غير القابلة للتسويق والغامضة الخيارات، وأنّ الدور السلبي للخارج وعلى رأسه واشنطن، كان بمثابة المساندة غير المباشرة التي تلقاها أردوغان، والتي سيضطر للتفاعل معها بالمزيد من السير بخيارات إقليمية بدأت بوادرها قبل الانقلاب بتموضع على خيارات التسويات، والسعي لتطبيع واسع النطاق للعلاقات. والواضح أنّ هذا الخارج لن يتهاون مع تدهور تركيا نحو التحوّل إلى جمهورية غير معلنة لميليشيات الإخوان المسلمين وقد جرّب كيف تتحوّل في ليبيا إلى بؤر مناسبة لنمو داعش، وهو يعلم أنّ حجم تركيا وحساسية موقعها الجغرافي سيجعلان تكرار ذلك بمثابة كارثة دولية.

إقليمياً بقي الميدان السوري صاحب الكلمة الفصل، حيث تمكّن الجيش والحلفاء من تحقيق المزيد من الإنجازات في شمال حلب، وصولاً إلى الإمساك بدوار الليرمون، بينما خطفت الأضواء الإعلانات الإسرائيلية عن طائرة بدون طيار تحدّت صواريخ الباتريوت التي استهدفتها وواصلت سيرها فوق الجولان، دون أن تنجح القبة الحديدية بإسقاطها، راسمة معادلة جديدة لقدرة الدرع لدى قوى المقاومة.

تركيا إلى ترتيب البيت الداخلي
نجح الانقلاب الذي قادته مجموعة ضباط في الجيش التركي في مرحلته الأولى من الوصول إلى الأطراف الأساسية للدولة والنقاط الحساسة ضد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان رفضاً لسياساته التي عززت الخطر الارهابي داخل البلاد. أشعرت الحالة الانقلابية أردوغان أن الامور خرجت عن سيطرته وأنه سيكون خارج السلطة، لكن أمراً ما طرأ عندما انتقل الانقلابيون إلى المرحلة الثانية لإحكام السيطرة، ما جعل هؤلاء يتوقفون عن اندفاعهم نحو استكمال الانقلاب، ما مكّن أردوغان خلال 3 ساعات من قيادة هجوم معاكس، مستنداً إلى قاعدته الشعبية ومؤيديه في الامن والجيش، واستعادة زمام المبادرة. كان موقف واشنطن حيادياً في الساعات الأولى معلنة أنها على مسافة واحدة من الطرفين، لكن مع تبدل متغيرات الميدان سرعان ما بدلت في موقفها متمسكة بالسلطة الشرعية المنتخبة المتمثلة بأردوغان. رغم كل ذلك لم يفشل الانقلاب في ادخال تركيا في نفق مظلم وحالة عدم استقرار ميزتها الرئيسية القمع والانتقام الذي بدأ الرئيس التركي بممارسته ضد الجيش والقضاء تحت شعار تطهير المؤسسة العسكرية والادارة والاجهزة القضائية من المعارضين والاستثئار بالسلطة. والنتيجة الرئيسية لهذه الأحداث فهي التداعيات الاقليمية، فتركيا سواء نجح الانقلاب أو فشل ستنكفئ إلى ترتيب البيت الداخلي خلال الفترة المقبلة.