Beirut weather 20.29 ° C
تاريخ النشر April 8, 2019 07:00
A A A
بعد تسليم الروس جثة الجندي الاسرائيلي هل تتأثر علاقتهم مع سوريا؟
الكاتب: العميد شارل ابي نادر - موقع المرده

بعد أن صرَّح الروس عن دورهم في تسهيل إستلام اسرائيل جثة احد جنودها ( زخاريا باومل )، والذي قتل مع رفاق له في معركة السلطان يعقوب في حرب عام 1982 بمواجهة وحدات مدرعة من الجيش السوري، يعتقد البعض أن العملية ربما تؤثر سلبا على علاقة موسكو بدمشق، حيث صرَّحت الاخيرة بعدم علمها بتفاصيل العملية، وعلى إعتبار أن الامر يحمل في الظاهر تجاوزاً روسياً للسيادة السورية، فهل يؤدي الى توتر العلاقة بين الحكومتين؟ وما هي المعطيات الديبلوماسية والاستراتيجية التي دفعت بروسيا الى تسهيل العملية؟
المعارضون للتصرف الروسي، يبنون فكرتهم على نقطتين، الاولى تقول ان تاريخ تبادل الاسرى والجثامين بين العدو الاسرائيلي وبين المحور المقاوم له، لم يشهد تسليما لاي جثة جندي اسرائيلي من دون مقابل، وعمليات التبادل المشهورة وخاصة بين حزب الله او بين حركتي حماس او الجهاد الاسلامي تؤكد ذلك، خاصة وان العدو يعتقل حتى الآن آلاف الاسرى ويحتفظ بمئات جثامين المقاومين، كما وانه يعطي اهمية كبرى لجثث جنوده، ودائما كان يدفع اثمانا غالية لاسترجاعها، الامر الذي حرم محور المقاومة فرصة ثمينة لاسترجاع عدد كبير من اسراه وجثامين شهدائه.
النقطة الثانية التي يبني هؤلاء المعارضون فكرتَهم عليها هي ان علاقة التحالف القوية بين روسيا وسوريا، لا يجب ان تسمح بتجاوز السيادة السورية بهذا الشكل، بمعزل عن فكرة التبادل واسترجاع اسرى او جثث مقاومين، وقد ذهب هؤلاء المعترضين الى حد المطالبة باعتذار روسي رسمي او على الاقل بتوضيح يبرّر التصرف الروسي.
من ناحية اخرى، إنحصر تعليق الروس بالاعتراف بتسهيل العملية عبر تصريح الرئيس بوتين امام نتنياهو حول معنى واهمية استلام عائلة الجندي الاسرائيلي لجثة ولدهم من الناحية الوجدانية، ولم يربط الموضوع بتاتا لا بالسياسة ولا بالصراع في الشرق الاوسط، وايضا إكتفت الدولة السورية بالاشارة فقط الى عدم معرفتها بتفاصيل وحيثيات العملية.
عمليا، لا يمكن عزل التصرف الروسي عن مسلسل من التصرفات المماثلة منذ تواجدهم العسكري المباشر في سوريا، ومنها ردة الفعل العادية وغير المفهومة على عشرات الاعتداءآت الاسرائيلية على مواقع للجيش العربي السوري او لحلفائه داخل سوريا، وحيث كانت القاذفات ووحدات الدفاع الجوي الروسية تتجاهل بالكامل تلك الاعتداءآت، بدأ الامر وكأنه لا يعني الروس أوكأنهم متواطئين مع الاسرائيليين في تنفيذها.
الحادثة الاخرى والتي كانت لافتة هي عند اسقاط الاتراك قاذفة روسية كانت تستهدف الارهابيين في ريف اللاذقية الشمالي على الحدود مع تركيا، وحينها، بعد ان بدت العلاقة بين موسكو وانقرة في طريق التدحرج نحو توتر واسع، رأينا الموقف الروسي الصادم للجميع في دعم الرئيس اردوغان عندما تعرض حكمه لمحاولة إنقلاب عسكري، يقال حينها ان الاستخبارات الروسية لعبت دورا اساسيا في دعم اردوغان من خلال تقديمها معلومات جد حساسة ومؤثرة، ساهمت في قطع الطريق على الانقلابيين وافشال محاولتهم، وحدث ذلك في الوقت الذي انتظر الجميع موقفا روسيا مناهضا لاردوغان، نظرا لموقعه الداعم حينها للارهابيين الذين يواجهون الروس والسوريين معا.
في الحقيقة، لمقاربة هذا الموضوع، يجب متابعة الإستراتيجية الروسية الواسعة في العالم بشكل عام وفي الشرق الاوسط بشكل خاص، وكيف استطاعت التوصل الى خلق نوع من الانشقاق بين تركيا من جهة وبين حلف شمال الاطلسي والاميركيين من جهة اخرى، على خلفية الملف السوري لناحية جرّ أنقرة للانخراط بمشروع الحل الروسي في مؤتمري استانة وسوتشي، اوعلى خلفية ملف صواريخ أس 400 الروسية، والتي تصرّ تركيا على امتلاكها رغماً عن المعارضة الشديدة لحلفائها في الناتو، وايضاً في ملفات اخرى تتعلق ببدء تفعيل المناورات الروسية التركية المشتركة في البحر الاسود، او لناحية الموقف التركي المغاير لموقف الناتو حول ضم روسيا لشبه جزيرة القرم.
لناحية الدور الروسي العملاني او المخابراتي في تأمين نقل جثة الجندي الاسرائيلي، لا شك لدى الرئيس بوتين إستراتيجية تقضي كما يبدو بدعم نتنياهو في الانتخابات، حيث ان تسليم جثة جندي الى ذويه بعد 37 عاما، يُعتبر انتصاراً لنتنياهو تفوَّقَ فيه على من سبقه من مسؤولين، وربما ترى موسكو أنه مع نتنياهو هناك إمكانية اكبر للتسوية في المنطقة، اكثر منها مع معارضيه المدعومين من الجنرالات المتشددين، والصراع الاخير بين الجناحين حول غزة وصواريخها والهدوء الذي إتَّسَمت به استراتيجية نتنياهو، تفضله موسكو حتما.
من هنا، يمكن تفهُّم ردة الفعل السورية الحكيمة والهادئة، وحيث ان الدولة السورية بقيادة الرئيس الاسد، والتي لديها ثقة قوية بالروس، لم تكن تنتظر يوما او تطلب ان تتخلى موسكو عن علاقتها التاريخية مع الكيان الصهيوني وتنحاز بالكامل لمحور المقاومة، لان معركة روسيا مع سوريا ضد الارهاب، والتي ربحتها، وانتشارها الاستراتيجي بمواجهة النفوذ الاميركي في المنطقة، والذي استطاعت تحقيقه، لا يعني تخليها عن مصالحها التاريخية والاستراتيجية، مع اسرائيل او مع تركيا وحتى مع اكثر الدول الخليجية مثلا، والتي كانت تدعم وتموِّل الارهابيين الذين قاتلتهم روسيا في سوريا.