Beirut weather 14.76 ° C
تاريخ النشر July 18, 2016 03:45
A A A
أردوغان يلوّح بالمشانق وهيبة الجيش مكسورة
الكاتب: السفير

قد لا تتكشف قريبا حقيقة ما جرى منذ مساء الجمعة حتى انكسار «الانقلاب الغامض» بعد ذلك بساعات. شيئان مؤكدان الآن، أن هيبة الرئيس التركي رجب طيب اردوغان اهتزت بقوة، تماما كحال المؤسسة العسكرية التي نُكِّل بأفرادها وضباطها في الشوارع، وطأطأ جنود الجيش رؤوسهم امام مسلحي النظام، وامام عدسات الكاميرات ليشاهدهم كل العالم.

لا اردوغان غدا سيكون مثلما كان قبل ساعة الصفر لمحاولة الانقلاب الغريبة، ولا الجيش الذي ظل يوصف بأنه حامي علمانية الجمهورية التركية، سيكون مهاب الجانب بعد اليوم. سيحتاج اردوغان الى سلسلة من الخطوات القاسية لترميم نفسه، وسلطته. التلويح بعودة المشانق قريبا، يبدو الآن الخيار الامضى للرئيس المتباهي بسنوات حكمه الطويلة، والمتهم بالبطش بكل خصومه، في الميادين الإعلامية والسياسية والبرلمانية والحزبية والعسكرية والامنية والاقتصادية.

* أبواب تركيا مشرعة أمام الانتقام بعد «الانقلاب الغامض» و«فزاعة غولن».

انقلاب الهواة يوم الجمعة وسرعة اندحارهم، سيوفران لاردوغان كل الذخيرة التي يحتاجها للتنكيل بمن سيقف امامه بعد اليوم. لم يتعود اردوغان التراجع امام خصومه الداخليين، وكل التقديرات تشير الى انه سيذهب بعيدا في اقتلاع مَن تبقى منهم.

وسيظل العديد من الاسئلة المحيرة بلا اجوبة شافية. لماذا تأخرت واشنطن في التنديد بالمحاولة الانقلابية. لماذا لمَّح وزير العمل التركي سليمان سويلو الى دور اميركي في «المؤامرة»، ما استدعى نفيا من وزير الخارجية الاميركي جون كيري؟ ولماذا تأخرت العواصم الاوروبية الكبرى بالتنديد بالمساس بديموقراطية الحكم في انقرة؟ باريس التي انتقدت امس عمليات التطهير والقمع التي يقوم بها اردوغان، اغلقت يوم الاربعاء الماضي سفارتها في انقرة وقنصليتها في اسطنبول لاسباب امنية لم توضحها! ولماذا انتظر حلف شمال الاطلسي ساعات حتى انجلاء رجحان كفة اردوغان فجر السبت، ليخرج ببيان يؤيد شرعية مواجهة الانقلاب؟

وحتى الآن، تُردِّد السلطة التركية معزوفة تورط الزعيم الاسلامي فتح الله غولن المقيم في الولايات المتحدة، وذلك منذ الساعة الاولى لـ«التمرد ـ الانقلاب» ليل الجمعة، لكن الصورة الحقيقة لمنفذي الانقلاب لم تتضح بعد ثلاثة ايام على بدء المسلسل التركي الخاطف. اردوغان يحث انصاره على البقاء في الشوارع حتى يوم الجمعة المقبل لان التهديد لم ينتهِ! لكن كثيرين يتساءلون، مَن خَطَّط للانقلاب؟ ولماذا ظهر للجميع منذ الساعات الاولى ان الانقلابيين لم يُحكِموا الإمساك بزمام الامور؟ وكيف ظلت غالبية وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي شغالة؟ وكيف يُنَظَّم انقلاب في بلد كتركيا من دون ضمان مشاركة قطاعات اساسية في الجيش؟ وكيف تسنى لقوات الشرطة وبمساندة مسلحين موالين للحزب الحاكم، ان تهزم العسكريين في اكثر من موقع؟ وكيف يمكن لعاقل ان يقدم على محاولة انقلابية ورئيس الجمهورية ورئيس الحكومة وجميع الوزراء يتجولون احرارا؟ الاسئلة المحيرة كثيرة، وهي لا تتوقف هنا، ولا يعتقد انها ستتوقف في الايام والاسابيع المقبلة.

لكن من بين الخلاصات الاولى ان «السلطان» اردوغان، المطعون في هيبته، سيعود اكثر سطوة. وكما اظهرت المشاهد الكثيرة الآتية من تركيا، ان انصار اردوغان من الاسلاميين مارسوا الكثير من عمليات التنكيل والقتل، وان القوة الانقلابية، لم تظهر الحزم الكافي امام مَن يُفترض بها اقتلاعهم في دولة تمدد فيها اردوغان وانصاره في مختلف ميادين البلاد. لكن ليلة الجمعة، ستترك ندوبا كثيرة في الجسم التركي، ولعل المشانق ستفتح المزيد من الجروح في ذاكرة الاتراك، ولن تكون شافية للاحتقان الذي اعتمل في جسد هذه البلاد طويلا.

والى جانب حملة الاعتقالات التي طالت اكثر من ستة آلاف شخص، من الجنود والضباط والقضاة والمدعين العامين، توعد اردوغان بعودة عقوبة الإعدام التي يفترض انه توقف العمل بها في تركيا منذ العام 1984. وكأن احفاد عدنان مندريس يعودون الآن بعد خمسين سنة، للانتقام لإعدامه من قبل الجيش!

حملة «تطهير»
وحتى الآن، قُتل اكثر من 290 شخصا في محاولة الانقلاب وفق ما اعلنت الخارجية التركية. واوضح البيان انه قتل «اكثر من مئة انقلابي و190 من مواطنينا» على الاقل.

اكثر من ستة آلاف معتقل حتى الآن، بينهم أكثر من 1500 في صفوف الجيش، بينهم عقداء وجنرالات. ومن بين المعتقلين قائد الفيلق الثالث في الجيش إردال أوزتورك، وعضو المحكمة الدستورية ألب أرسلان ألطان. كما تم إيقاف قائد القوات الجوية التركية السابق، الجنرال أكين أوزترك، وقائد عام الجيش الثاني اللواء آدم حدوتي، ورئيس أركانه عوني آنغون، في ولاية ملاطية وسط البلاد.

ومن بين المعتقلين ايضا آلاف القضاة والمدعين العامين. ومن بين المعتقلين كبير المُستشارين العسكريين للرئيس التركي علي يازجي. وتمّ توقيف جنرال رفيع المستوى في سلاح الجو هو بكير ارجان فان و12 ضابطاً في قاعدة «انجرليك» (جنوب) التي يستخدمها «التحالف الدولي» بقيادة واشنطن في غاراته ضدّ «داعش» في سوريا والعراق. وأوقفت الشرطة التركية، سبعة من العاملين في قيادة القاعدة الجوية الثالثة في ولاية قونية (وسط) بينهم قائد الطلعات الجوية مصطفى إرتورك.
***

مدني يضرب جنودا شاركوا في الانقلاب أمس الأول في البوسفور (رويترز)

مدني يضرب جنودا شاركوا في الانقلاب أمس الأول في البوسفور (رويترز)