Beirut weather 14.06 ° C
تاريخ النشر April 1, 2019 08:26
A A A
اين مصلحة لبنان … مع الروس او مع الاميركيين؟
الكاتب: العميد شارل ابي نادر - موقع المرده

لا شك ان هناك صراعا واسعا بين الولايات المتحدة الاميركية وبين روسيا، إقتصادي، ديبلوماسي، سياسي، عسكري وعلمي، وهذا الصراع يأخذ احيانا طابع المباشر، حيث الاشتباك يتمحورعلى ملفات تعني كل من الطرفين لوحدهما، وفي احيانٍ اخرى يأخذ طابع غير المباشر او بالوكالة، حيث يجري هذا الصراع على ارض عدة دول، تتقاسم فيها الدولتان النفوذ وتتسابقان على السيطرة.
لبنان يدخل ايضا كساحة للصراع والمنافسة بين الروس والاميركيين، وصحيح انه دولة صغيرة مع امكانيات متواضعة في الظاهر، ولكنه يملك الكثير من العناصر الاستراتيجية التي تجعله هدفا للتسابق ومحاولة السيطرة، وهذه العناصر تتوزع بين موقع لبنان الجغرافي الحساس في الشرق الاوسط، وما يملكه من ثروات موعودة من النفط والغاز، وبين موقعه السياسي وعلاقاته كدولة او كمكونات مختلفة، مع دول اساسية وفاعلة في المنطقة، مثل سوريا وايران ودول الخليج واسرائيل (العدوة)، والتي تمثل اليوم نقطة الاشتباك القوية في الصراع الروسي الاميركي في المنطقة وامتدادا الى العالم .
إنطلاقا مما ذكر، وحيث ان لبنان اليوم يُعتبر نقطة تجاذب واضحة بين الروس والاميركيين ، ومن غير الممكن ان يكون على علاقة قوية مع الطرفين في نفس الوقت وبنفس المستوى من التواصل والتعاون، الامر الذي يتخطى قدراته من جهة، وايضا الامر الذي لن يقبل به الطرفان من جهة اخرى، وحيث أن مصيره في النهاية سيكون اجمالاً في تموضعٍ محددٍ مع طرف واحد، فاين تكمن مصلحته كدولة وكشعب؟ مع الروس او مع الاميركيين؟.

لناحية الاسلحة، صحيح ان الاميركيين يقدمون بعض العتاد والاسلحة للجيش اللبناني على شكل هبات او ضمن قروض طويلة الاجل اشبه بهبات، لكن دائما كانت طلبات الاسلحة الفاعلة والضرورية التي يحتاجها الجيش اللبناني مقيدة وممنوعة من قبل الاميركيين، واهمها اسلحة الدفاع الجوي، والتي تشكل الحاجة اليها الاولوية فيما يحتاج هذا الجيش، وهذا الموضوع يتعلق بأمن إسرائيل بالرغم من اختراقاتها الدائمة للاجواء وللسيادة اللبنانية.
وهذا السلاح النوعي الضروري، لم يتبين ان الروس يضعون عليه قيودا، والمعطيات حول ذلك تقول انهم مستعدون للموافقة على كل ما يحتاجه الجيش اللبناني ويطلبه.
لناحية الضغط الاميركي على حزب الله ( عقوبات اقتصادية واتهامه بالارهاب )، صحيح ان واشنطن تحاول ان تفصل ( اعلاميا وربما عمليا ) بين الدولة اللبنانية وبين حزب الله، ولكن فعليا، هذه الضغوط تطال وستطال المجتمع اللبناني باكمله، والذي تشكل بيئة حزب الله والمؤيدين له فيها النسبة الكبرى، وايضاً هذا الامر غير موجود مع الروس الذين لا يعترفون بنظرة الاميركيين وبعض الاوروبيين لحزب الله، وهم مقتنعون مثل الدولة اللبنانية ان اي ضغط على الحزب سيؤثر سلبا على كل لبنان تقريبا.
لناحية العلاقة الاقتصادية ضمنا مشاريع النفط والغاز الموعودة، حتى الان وبعد مرور عدة سنوات على اتمام لبنان الالية القانونية والادارية للسير بكشف واستخراج النفط والغاز ، لا يزال إطلاق الموضوع بشكل جدِّي مرتبطا بانهاء مشكلة الادعاءآت والمزاعم الاسرائيلية حول ملكيتها لمناطق وبلوكات لبنانية غنية بالغاز، وواشنطن دخلت في هذا الملف لمصلحة اسرائيل وهي تحاول انتزاع نسبة كبيرة من الحقوق اللبنانية او فرض التطبيع مع العدو على لبنان، من خلال اجباره على ربط نزاع اقتصادي ونفطي معه، الامر الذي لن يحدث حتما مع الروس فيما لو سحبت واشنطن يدها من ملف الخلاف اللبناني الاسرائيلي حول الغاز والبلوكات البحرية.
لناحية تقديم الخبرات التدريبية للاجهزة العسكرية والامنية، فصحيح ان واشنطن تنفذ برنامجا تدريبيا متقدما لوحدات من الجيش اللبناني، وهي بعد الزيارة الاخيرة لوزير خارجيتها الى لبنان، في صدد تقديم برنامج بعنوان ” تصنيف السجناء ” برعاية المكتب الدولي لمكافحة المخدرات وانفاذ القانون التابع لوزارة الخارجية الاميركية، ولكن تبقى استراتيجية الاميركيين بشكل عام وفي اغلب الدول التي تساعدها، في التدريب او في تقديم الخبرات للاجهزة الامنية، تبقى استراتيجيتهم معروفة لناحية استغلال ذلك للحصول على معلومات حساسة، حول قدرات الجيش وحول الكثير من النقاط الامنية التي يجب ان تبقى سرية، وحصول واشنطن على هذه المعلومات يعتبر خرقا خطيرا، ولا يمكن استبعاد نقلها للعدو الاسرائيلي.
هذه بعض من الملفات التي لا توجد مصلحة للبنان بان تكون محصورة بالعلاقة مع الاميركيين، هذا اذا لم نتكلم عن التدخل الاميركي المشبوه في الشؤون السياسية اللبنانية، والدليل على ذلك، حصول عدة اجتماعات لمسؤولين اميركيين مع اطراف سياسية لبنانية – بحجة الطابع الاجتماعي والعلاقة الشخصية – دون التواصل مع السلطات الرسمية في لبنان.
من هنا، من الواضح ان مصلحة لبنان هي حتما في التقرب مع الروس اكثر من التقرب مع الاميركيين، ولكن لا يمكن الجزم بان هذا الموضوع سوف يسلك بسهولة فيما لو قررت السلطات اللبنانية ذلك، ولا شك ان لواشنطن قدرة كبيرة ونفوذا غير بسيط، تستطيع من خلالها التأثير على الكثير من الدول ومنها لبنان، وفرض عدم ابتعاده عن منظومتها ومحورها وسياستها.