Beirut weather 16.73 ° C
تاريخ النشر July 17, 2016 08:45
A A A
الإرهاب بين الصناعة والتوظيف..
الكاتب: عمر معربوني - بيروت برس

263baf121c8005d92926108a4c220a02

بدايةً، أودّ الإشارة الى أنّ التعرّض لتوضيح ماهيّة الجماعات الإرهابية يصطدم بحواجز ومواقف مسبقة تمّ العمل عليها طيلة عشرات السنين لفصل الناس عن التاريخ وطمس الذاكرة، عبر عمل ممنهج من التوجيه والتضليل تسلّل عبر تناقضات تاريخية وفقهية شكّلت مادة اساسية من مواد الإنقسام العامودي الحاد الحالي، وبات الكلام عن الإرهاب ينطلق من التموضعات المذهبية والطائفية وليس من الأسس التي قامت عليها هذه الجماعات ولا مساراتها وارتباطاتها، بحيث يبدو المشهد حاليًا يرتكز على التفاصيل ومنها هذه الأيام سؤال رئيسي: من صنع الإرهاب وكيف يتم توظيفه؟ فالبعض ممّن أعمتهم المذهبية فقدوا كل أساس منطقي في التحليل، وهم العارفون بالحقائق حدّ اتهام من يحاربهم الإرهاب بأنهم صانعوه كروسيا وايران وسوريا، متناسين عن قصد حقائق مُثبتة بأدلة دامغة عن دور اميركا والسعودية وقطر وتركيا في إتاحة المساحة اللازمة فكريًا وجغرافيًا لهذا الإرهاب الذي تمتد يده منذ فترة الى اماكن في بلدان دعمته وساعدته ووفرت له كل ما يحتاج الى أن ادرك بعضها متأخرًا ان الوحش يستدير ليواجه مروضه.

تختلف الآراء هذه الأيام بين قائلٍ بمزيد من تمدّد الإرهاب وقائلٍ بإنحساره، ولكل من الفريقين وجهة نظره التي يستند فيها الى الكثير من المعطيات والوقائع، إلّا أنّني في الحقيقة أمثّل وجهة نظرٍ ثالثة تميل الى العلمية في تفنيد الأمور والنظرة اليها والى مساراتها، وهي النظرة التي تستند الى اساس الوثائق المعتمدة لدى الجماعات الإرهابية والتي تتبنى نظرية الذراعين والأذرع المتعدّدة، ما يعني أنّني مع الفريق الذي يقول بتنقل الإرهاب لا تمدّده ولا انحساره، وهذا يعني تبنّي الرأي القائل أنّ المعركة بمواجهة الإرهاب ستكون طويلة ومعقّدة نظرًا لتجذّر الحالة الإرهابية في العديد من المجتمعات. فالإرهاب ليس مجرد حالة عسكرية بقدر ما هو حالة فكرية تستقي فكرها من مدارس التكفير والإلغاء التي ارتبطت في وقت مبكر بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى وبشكل متزامن مع الحركة الصهيونية، وانا هنا أعني حركة الأخوان المسلمين العالمية التي اتّخذت من بريطانيا مقرًا رئيسيًا لها.
وفي هذا المقال سأتعرّض للجماعات الإرهابية انطلاقًا من الأسس الفكرية وتطور الحالة التنظيمية والتنظيم العسكري، وأمثلة في صناعة الجماعات الإرهابية وطرق وأساليب توظيفها في الصراعات وبرامج هذه الجماعات.

1-    في الأسس الفكرية: في القرن الثالث عشر الميلادي، وفي الوقت الذي كانت فيه الأمة تواجه هجمات خارجية من التتار والصليبيين ظهرت مئات الفتاوى لإبن تيمية عنوانها الأساسي هو تكفير الآخر مهما كان سبب الخلاف بسيطًا، لدرجة أن عبارة “يُستتاب او يُقتل” العبارة الأكثر ورودًا في اغلب فتاوى ابن تيمية، وكلمة يُستتاب تعني في اللغة والفقه الحصول على توبة الكافر او المرتد، واذا تمنع عن التوبة يُقتل، والأمثلة في فتاوى ابن تيمية كثيرة ويمكن الرجوع اليها لكثرتها. وما ذكر تزامن فتاوى ابن تيمية مع الهجمات على المنطقة إلّا للإشارة الى تكرار الأمر مع الحركة الوهابية بالموازاة مع الهجمة الغربية وسايكس – بيكو وفيما بعد مع حركة الأخوان المسلمين التي تزخر كتب كبار مؤسسيها وقادتها بفتاوى التكفير، وهي موجودة على سبيل المثال لا الحصر في كتب سيد قطب التي استند فيها إلى فتاوى ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، والتي استخدمت بمواجهة حركة الضباط الأحرار بقيادة جمال عبد الناصر الذي كان يواجه الحلف الثلاثي “الإنكليزي – الفرنسي – الصهيوني”، اضافة الى نشوء “جماعة المسلمين – جماعة التكفير والهجرة” في مصر، وهي جماعة نشأت في السجون المصرية وكفّرت الحكّام والعلماء الذين امتنعوا عن تكفير الحكّام وهجرة “المجتمع الجاهلي” كما أسموه هجرة شعورية ومكانية، اي بالتعبير والسلوك، وهو الأمر الذي تبلور وتشكّل واقعيًا من خلال الهجرة الى افغانستان والتي أسموها فيما بعد ارض الجهاد واطلقوا على تنظيمهم فيها “قاعدة الجهاد”، وهو الإسم الرسمي الذي يُطلق على تنظيم القاعدة، بالإضافة طبعا للعديد من التنظيمات نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر الجماعة الإسلامية وجماعة الشوقيين وجماعة السماوي وغيرها، وجميعها كانت تستند إلى “فتاوى ابن تيمية”.

2-    تنظيم “قاعدة الجهاد” في افغانستان لم يكن التجربة العسكرية الأولى لجماعات “الجهاد”، حيث كان للعديد من التنظيمات التي سبقته تجارب عسكرية إلّا انها كانت تتخذ الطابع السري ولم تصل الى مستوى التشكيلات الكبرى كما حصل في افغانستان، حيث أتيحت الفرصة لمن يرغب بالتوجه الى افغانستان لمقاتلة “الكفار الشيوعيين” بحسب التسمية “الجهادية”، وهي الحرب المقدسة ضد جيش الإتحاد السوفياتي والتي تولّت فيها اميركا عملية التنظيم والتدريب والتوجيه وتولّت فيها السعودية بشكل رئيسي التمويل المالي بموازاة عملية منظمة لإنشاء المدارس والمساجد التي تعتمد المنهج الوهابي التكفيري، والتي يصل عددها عبر العالم الى 33 الف مدرسة ومسجد بحسب الإحصائيات المتوفرة حاليًا. وبالعودة الى عملية صناعة تنظيم “قاعدة الجهاد” في افغانستان، كان واضحًا حينها التماهي بين التنظيم الناشئ ورغبة اميركا والسعودية حينها بهزيمة الإتحاد السوفياتي واخراج الجيش السوفيتي من افغانستان، وهو الأمر الذي حصل في النهاية وشكل الهدف الأول الذي تحقق كليًّا فيما بعد، حيث تفكك الإتحاد السوفياتي ودول الكتلة الإشتراكية في اوروبا ليبدأ وضع جديد في العلاقة بين القاعدة من جهة واميركا والسعودية من جهة أخرى وصل الى مرحلة تنفيذ عمليات ارهابية في اميركا والسعودية، واهمها تفجيرات برجي التجارة العالمي التي يسود الكثير من اللغط حولها حتى الآن، ولا يوجد بخصوصها اية تحقيقات شفافة وعليه يمكن اعتبارها المبرّر الذي استخدمته اميركا لغزو افغانستان لتصفية تنظيم القاعدة وفيما بعد لغزو العراق باستخدام الحجة ذاتها، مضافًا لها ذريعة الاسلحة الكيميائية التي تبين عدم وجودها فيما بعد. وما نشوء تنظيم القاعدة في العراق في كنف الأميركيين من خلال اطلاق سراح العديد من المساجين الذين يشكلون اليوم عماد قيادة تنظيم “داعش” في سوريا والعراق، الذي لا يزال يتحرك بحريّة تحت نظر وسائل المراقبة الأميركية وبعلم اجهزة استخباراتها المختلفة، وفي مثال السيطرة على الموصل والتقدم الى مدينة تدمر فيما بعد دليل على هذا الأمر الذي ما كان له ان يحصل لولا وجود معلومات في غاية الدقة عن الجيشين السوري والعراقي لا يمكن توفيرها إلّا عبر الأقمار الصناعية واجهزة الإستعلام المتطورة، اضافة الى منظومة القيادة والسيطرة التي يتمتع بها “داعش” ومنظومة الإتصالات التي لم يستطع حتى الروس الولوج اليها، ما يدل على حداثتها ووجود تشفير عالي الجودة لا تمتلكه إلّا دول قليلة ومنها اميركا وفرنسا وبريطانيا.

3-    استنادًا الى العرض المرتبط بنشوء التنظيمات العسكرية للجماعات التكفيرية وتطور مساراتها، نلاحظ في كل مرحلة من مراحل تطور ومسارات هذه الجماعات تلك العلاقة الوثيقة بينها من جهة وبين اميركا والسعودية وقطر وتركيا من جهة أخرى، وما تلك العلاقة إلّا تناغمًا وتماهيًا بين الجماعات الإرهابية التي اعتمدت التوحش وادارته وسيلة للوصول الى غايتها في اعلان الخلافة، وهو في نفس الوقت هدف للسعودية وقطر وتركيا وإن بأشكال مختلفة، وتقاطع هذا التناغم مع نظرية “الفوضى الخلّاقة” التي اعلنها المحافظون الجدد في أميركا وهي ترجمة للعديد من المخططات التي تم تعديلها من كيسينجر الى برنارد لويس والهادفة الى اعادة تقسيم المنطقة بعد تعميم الفوضى فيها تحت عنوان فلسفي وفكري ينظر لسكان المنطقة على انهم همج وقتلة ويجب إشغالهم بالفوضى ودوامات لا نهاية لها من التقاتل يسهل بعدها تحويل الشرق الأوسط الى “إسرائيل كبرى” بحسب قول هنري كيسينجر، الذي اعلن بوضوح ان هذا الأمر لن يتم إلّا بعد تدمير سوريا وتشتيت جهدها كدولة ومكونات. وعليه، يبدو واضحًا بشكل لا يحتاج الى الكثير من الجهد بحكم التماهي المذكور اعلاه ان اميركا والغرب كانا وراء تشجيع نشوء هذه التنظيمات ان لم نقل صناعتها لتوظيفها في الصراع الحالي، وهو ما يحصل وسيحصل لفترة ليست بالقصيرة.

4-    في اساليب وطرق عمل الجماعات الإرهابية وتوظيف جهدها لخدمة المخططات الغربية وعلى رأسها الأميركية، نحن في الحقيقة امام عدد غير محدود من الوثائق والمستندات والتصريحات والإعترافات لمسؤولين اميركيين وغربيين يعلنون بوضوح كيف يتم استثمار هذه الجماعات الإرهابية في تعميم الفوضى وتحقيق السيطرة على المناطق الإستراتيجية في بلدان الصراع، وأعني بها المناطق الزراعية والصناعية والنفطية حيث يمكن من خلال هذه السيطرة فرض واقع جديد والضغط على الحكومات اقتصاديًا لإضعافها تمهيدًا لتحقيق الإنهيار، وهو الأمر الذي لم يتحقق حتى اللحظة حيث لا يزال كل من العراق وسوريا واليمن وبعض القوى في ليبيا وان بشكل محدود مواجهة الأمر وعدم السماح بتحقيق غاياته النهائية، وهذا ما يفرض على الجماعات الإرهابية وداعميها تغيير اساليب وانماط المواجهة التي تعتمد حاليًا على نمط التنقل وتوزيع الجهد والضرب بنمط الذئاب المنفردة في اوروبا تحديدًا لأهداف سياسية استراتيجية، الهدف منها تبرير ارسال الجيوش الى المنطقة واهداف اخرى ترتبط بالسيطرة على المناطق الحيوية للتحكم بالقدرات والثروات.
وحتى لا اطيل اكثر، فإنّ ما تمّ عرضه يكون فكرة اساسية يمكن التوسع فيها لاحقًا لتبيان التفاصيل والمستجدات والتي تشكل هذه المقالة مجرد عناوين لها.