Beirut weather 18 ° C
تاريخ النشر July 17, 2016 04:39
A A A
الدور التركي يتزعزع والوقت لقطع رؤوس الداخل
الكاتب: الديار

انتهى انقلاب غولن.. بدأ انقلاب اردوغان!!
كل المصطلحات الانقلابية على الشاشة الان: خيانة، انتقام، تعذيب، اعتقال، تطهير. هذا هو الوقت المثالي، والعاصف، لكي يقضي الرئيس التركي على كل المشتبه بهم، قضاة (عدد المقالين ناهز الثلاثة الاف)، وضباط واداريون…
ربما كان الاوروبيون اكثر دقة في توصيف الحالة، والى حد التساؤل عن اليد التي ستغتال ارودغان. الان، الرئيس التركي لا يلعب دمويا في العمق السوري او في العمق العراقي، بل انه يلعب دمويا في العمق التركي. الشعب لا يريد ابدال ديكتاتورية الخوذات بديكتاتورية العمائم.
الاوروبيون يعتقدون انه كلما اصبح اردوغان اكثر قوة كلما اصبح اكثر قابلية للعطب «ليلة الشيشكباب» كما حلا لبعض اعضاء حزب العدالة والتنمية وصف ليلة المحاولة، لم تكن ليلة عابرة. تركت جرحاً كبيراً في الداخل التركي. كيف يمكن تصور مقاتلة تحمل شارة النجمة والهلال تضرب مروحية تحمل الشارة نفسها.
وكيف يمكن تصور قصف دبابات تركية لمواقع تركية في انقره وفي اسطنبول؟ بالنسبة الى الاتراك هذا اشد هولاً، واكثر كارثية، من اي شيء آخر. من التعليقات التي صدرت في اسطنبول ان ما حدث كان صورة مسبقة عن الحرب الاهلية.
ابعد من ذلك، اذا كان الجيش المصري قد  تمكن من وضع الرئيس محمد مرسي العياط، وكبار مسؤولي «الاخوان المسلمين» وراء القضبان بعدما انتزع منهم السلطة الامر يبدو مختلفا في تركيا. منذ البداية عرف اردوغان ان الخطر الحقيقي عليه من الجيش. اخترقه من الداخل وعين المئات من الضباط الاسلاميين في مراكز قيادية.
كما انشأ جهازاً استخباراتياً داخل سلاح الجو. الطيارون يخضعون لاختبارات «ايديولوجية». يفترض بكل طيار ان يكون اردوغان حتى العظم.
اهم ما حققته المحاولة انها جعلت الرئيس التركي ينكفىء الى الداخل. الاعتقالات، وعمليات التطهير الواسعة، لها ثمن، ان لم يكن اليوم غداً، امس بدا الرجل مذعوراً من تحرك مفاجئ لقطع عسكرية، فامر محازبيه بالبقاء في الشارع.
الثابت ان المحاولة لم تكن معدة باتقان. الذين نفذوها حاذروا الظهور على الشاشات  كي لا تتكشف نقاط ضعفهم بعدما كانوا يراهنون على يقظة اللحظة الاتاتوركية داخل المؤسسة العسكرية. هذا لم يحصل. الاستخبارات التركية التي قد تكون تلقت  مساعدة من جهات خارجية، ادارت العملية المضادة بمنتهى الدقة والفاعلية.
المحللون الغربيون لاحظوا ان الدور الاقليمي لتركيا تزعزع. العسكر التركي ضد العسكر التركي لا بد ان يحدث ما وصفه قدري غورسل بالزلزال السيكولوجي. على اردوغان ان يغسل يديه من الملفات الاقليمية. وحيث الاصابع المحترقة تبدو للعيان، وينبري لمعالجته او لترميم التصدعات الداخلية.
المثير ان يكون هناك محللون ويتساءلون ما اذا كان الذي حدث من تداعيات الازمة السورية. كيف؟ البعض اعتبر ان اعتذار رجب طيب اردوغان من فلاديمير بوتين كان مهيناً للمؤسسة العسكرية في تركيا التي هي من اسقط الطائرة بحجة انها اخترقت الاجواء التركية.
كما ان هناك ضباطاً كانوا يقولون علنا ان التعاون لا يزال مستمرا بين الاستخبارات التركية وتنظيم الدولة الاسلامية على الارض السورية كما على الارض العراقية، ودون ان يأخذ المسؤولون بالاعتبار نتائج العمليات الانتحارية التي نفذها عناصر من التنظيم في انقره وفي اسطنبول وفي غازي عنتاب.
بعبارة اخرى، لم يقم الضباط بما قاموا به في لحظة اعتباطية للاستيلاء على السلطة. وهناك معلقون اتراك سبق وحذروا من تفاعلات خطيرة تحدث داخل المؤسسة العسكرية التي لا بد انها الآن في حالة انقسام عمودي بين الاتاتوركيين والاسلاميين.

معركة حلب
المرحلة المقبلة ستكون صعبة ومعقدة. الكرد ما زالوا بالمرصاد. لا يحبون العسكر ولا العسكرتاريا. معركة مدينة حلب القريبة من الحدود التركية تبدو وكأنها معركة قواعد النظام العالمي الجديد. اين انقرة في هذه الحال؟
الايرانيون تعاملوا بحذر مع المحاولة الانقلابية. يفترض ان ينتظروا النتائج لا كما فعل السوريون الذين راحوا يطلقون الرصاص من اللحظة الأولى، حتماً الايرانيون غير العرب. ولكن هل حقاً ان النظام الاسلامي في ايران بدا خائفاً من سقوط النظام الاسلامي في تركيا بالقبضة العسكرية؟
مثل تركيا، هناك ضباط ايرانيون يحكمهم الهاجس القومي اكثر مما يحكمهم البعد الاسلامي، وهؤلاء لا يرون ان مصلحة بلادهم في سوريا او في لبنان أو في اليمن، العراق شيء آخر، ايران كبرى على مقربة من بغداد..
لكن القيادة الدينية، وحيث الوصول الى السلطة لم يتم عبر صناديق الاقتراع بل عبر الثورة بمفاهيمها الايديولوجية الحديدية، استحدثت «الحرس الثوري» ومع ذلك اعتبرت جمانة غربية ان اهل النظام في ايران تلمسوا رؤوسهم حين شاهدوا الدبابات في شوارع انقرة واسطنبول.
هل حقاً ان الاميركيين والاوروبيين ضاقوا ذرعاً باردوغان؟ شاشاتهم وتعليقاتهم لم تكن لتعترض على الانقلاب، الجنرالات القساة في الداخل تماثيل شمع في الخارج.
ماذا عن الروس الذين اخذوا من الرئىس التركي ما أخذوه، والمنتظر ان يأخذوا اكثر؟ الافضل بقاء اردوغان بدل ذلك الجنرال الذي يذهب بعيداً مع هجوم حلف شمال الاطلسي.

اين اسرائىل؟
المثير ان بعض الساسة والصحافيين في القاهرة (ايضاً بعض المحللين العسكريين) لم يستبعدوا ان تكون اسرائىل قد ساعدت اردوغان بطريقة او بأخرى، مع ان الجنرالات، ومن جمال غورسل وكنعان افرين، الذين اداروا ظهورهم للعرب، كانوا يعتبرون اسرائىل الحليفة الكبرى في ادارة الرياح في الشرق الاوسط…
اللبنانيون الذين وصفهم القائد العثماني جمال باشا بـ«عيدان الثقاب» انقسموا، كما العادة الى فريقين، فريق يهلل لازالة اردوغان علّ ذلك ينعكس ايجاباً على الساحة السورية، وفريق نزل الى الشوارع حاملاً العلم التركي وصور اردوغان. هذه آخر تجليات النأي بالنفس.
لكن اللافت هنا ان جماعة سياسية اعتبرت ان ازاحة النظام في انقرة سينعكس ايجاباً على الاستحقاق الرئاسي في لبنان، كيف؟ جنرال في تركيا وجنرال في لبنان. اي جنرال؟ ميشال عون الذي تقول جهات سياسية هكذا «الجنرال نفذ انقلابا ضد الجنرال» ام جان قهوجي الذي يؤكد اكثر من مصدر ديبلوماسي ان واشنطن تعتبره الشخص الاكثر اهلية لحمل لقب «صاحب الفخامة» في المرحلة الراهنة؟
عون قال ان ما يعنيه ليس الشخص بل «المقام» لا بد من ملء الشغور الرئاسي، هل يترجم هذا الكلام بمرشح آخر؟ وثمة من يسأل عما سمعه رئيس تكتل التغيير والاصلاح من وزير الخارجية الفرنسي جان – مارك ايرولت الذي حمل في حقيباته تحذيرات كثيرة من التداعيات المحتملة للفراغ السياسي والدستوري في لبنان.

طريق مرج دابق
عادة لم يكن اللبنانيون يأبهون بالانقلابات التركية. كانت انقرة بعيدة جداً عن ازمات، ومشكلات، الشرق الاوسط، قبل ان يصل اردوغان ويستذكر الطريق، الطريق الى مرج دابق، الذي سلكه السلطان سليم…
المخضرمون يستعيدون صورة الرئيس كميل شمعون مع الرئيس جمال غورسل، وكان هناك ايضاً شاه ايران ونوري السعيد.
الآن اردوغان احد اللاعبين الكبار على كل مسارح الشرق الاوسط، ولكن هل تعنيه رئاسة الجمهورية في لبنان الا اذا كان على خطى «الاخوان المسلمين«» يرى فرض الجزية على المسيحيين وتسريحهم من الجيش، وبالتالي انتزاع رئاسة الجمهورية منهم؟؟
والآن، المنطقة تعيش ارتدادات الهزة التركية التي لن تتوقف عند حدودها الراهنة. كلام عن ان اردوغان كان يريد ايفاد رئيس استخباراته الى دمشق قبل ان يصل تحت جنح الظلام موفد من احدى العواصم العربية، يحذر ان «خسارتنا الورقة السورية ستكون لها انعكاساتها الكارثية علينا».
لا وقت لدى اردوغان سوى لوضع لائحة بالرؤوس التي يفترض قطعها. في الغرب  يعتبرون ان المرحلة المقبلة هي مرحلة الفوضى في تركيا التي لا يمكن ان تتحمل مثل هذا النوع من الانتقام الذي كان باستطاعة السلاطين وصدم الاقدام عليه، هو رئيس كان جنكيز تشاندار يقول «الديكتاتور الذي خرج من صناديق الاقتراع»، حتى كتفيه غارق في الازمات.
انصار الرئيس التركي يقولون «ثورة الشارع احبطت انقلاب العسكر»!

ارباك اميركا
هذا لا يخفي حقيقة لطالما رددتها الاوساط الديبلوماسية الغربية. في واشنطن يعتبرون ان اردوغان اربك الاستراتيجية الاميركية الى حد بعيد ليس فقط من خلال تحريضه دولاً عربية ضد الولايات المتحدة والى حد «اعلان العصيان» في بعض الاحيان، وانما ايضا من خلال تعاطيه مع تنظيم الدولة الاسلامية وهو الذي حوّلها من قوة تكتيكية يمكن استخدامها في اغراض محددة الى قوة استراتيجية لها مفاهيمها الخاصة، وآلياتها الخاصة…
الاميركيون ليسوا ضنينين بالديموقراطية، وهم الذين طالما امنوا الحماية لاكثر الانظمة توتاليتارية او ديكتاتورية، ومع ذلك يعتبرون ان اردوغان صاحب نظرية خاصة، نظرية عثمانية، في الديموقراطية لا بأس، والحال هذه، ان يقع انقلاب عسكري ويحل محله جنرال لا تلعب السلطنة بل السلطة فقط في رأس ويريح اللعبة الاميركية في المنطقة.
كلام ديبلوماسي من قبيل ان واشنطن صدمت بفشل المحاولة الانقلابية او انها ترددت في تحريك رجالها داخل المؤسسة  العسكرية.