Beirut weather 18.68 ° C
تاريخ النشر June 24, 2019 08:16
A A A
النحل لمساعدة السجناء على تعلم الصبر!
الكاتب: الشرق الاوسط

مرتدياً قفازات بيضاء وقناع الوجه، وهو يقيس كمية من العسل، في أحد مناحل النحل، يقضي الشاب الألماني (محمد) ذو الأصول المغربية، والبالغ من العمر 24 عاماً، عقوبة السجن في مؤسسة ريمشايد الإصلاحية بولاية شمال الراين فيستفاليا، غرب ألمانيا، وذلك منذ (أيار) 2018.
ويشارك محمد خلال سنوات السجن، في برنامج تربية النحل، الذي تريد به الإصلاحية أن تسلك طريقاً لم يسبقها إليها أحد حتى الآن، ألا وهي تشغيل السجناء بشكل مجدٍ وبتأثير علاجي، مع تقديم شيء من أجل حماية البيئة، باستخدام 3 ملايين نحلة.
ويدعو وزير العدل بولاية شمال الراين فيستفاليا، بيتر بيزنباخ، للاقتداء بهذا النموذج خارج ولايته أيضاً.
ورغم وجود مناحل بشكل متفرق في سجون ألمانية أخرى، فإن ولاية شمال الراين فيستفاليا تتبنى فكرة جديدة، حيث يشارك كثير من المؤسسات في توزيع العمل في المشروع، وهناك تعاون مع محال ومزارعين يسمحون للسجناء في المؤسسة الإصلاحية المفتوحة، بالعمل في حدائق الفاكهة المملوكة لهم.
تعتبر تربية النحل برنامجاً غير مألوف في سجن مخصص للرجال فقط، اعتاد فيه سابقاً شباب غلاظ استعراض عضلاتهم. وكان يورجين كريمر (62 عاماً)، رئيس إدارة العمل في المؤسسة الإصلاحية، صاحب فكرة شارع إنتاج العسل.
عمل كريمر على مدار 40 سنة موظفاً في المؤسسات الإصلاحية، ويقول إنه كان يفكر منذ وقت طويل في كيفية إعداد السجناء بشكل مجدٍ للحياة بعد قضاء فترة السجن، «حيث إن العمل بالخارج قد تغير… بحيث لم يعد من الممكن استيعاب النجارين والحدادين في سوق العمل».
في ربيع عام 2016، بدأ كريمر عقب المشاركة في دورة تدريبية، برنامجه، وجلب أول النحل الذي استعان به، ثم انضمت إليه عدة مؤسسات إصلاحية في مدن أخرى بالولاية. وأصبح عدد مستعمرات النحل لدى جميع هذه المؤسسات مجتمعة 68 خلية.
ويتراوح العدد السنوي للنحل بين 3 و4 ملايين نحلة، وهو عدد قادر على إنتاج نحو طن من العسل.
تتقاسم المؤسسات العمل فيما بينها، حيث يشمل هذا صناعة خلايا النحل وألواح شمع العسل ورعاية النحل وجني العسل، وتنظيف جميع المواد المستخدمة في الإنتاج.
يعكف محمد على صنع علب من بقايا الخشب والألواح القديمة، لاستخدامها في إهداء العسل، ويقول: «كنت في السابق عدوانياً مع الأسرة، انتهى ذلك منذ أن عملت مع النحل، فهذا العمل يحتاج لكثير جداً جداً من الصبر».
ويقضي محمد، البالغ من العمر 48 عاماً، منذ (آب) 2018 عقوبة السجن في دار ريمشايد، بسبب عنفه مع زوجته السابقة.
ويرى كريمر أن «من يعمل مع النحل يضطر للالتزام بالقواعد، وإلا تعرض للعقوبة مباشرة، فالخطأ يعني لدغة، وهذا شيء مؤلم».
كريمر مقتنع بتأثير المشروع، «فهو برنامج اندماج للجميع؛ للاجئين، للسجناء الأتراك وذوي الأصول الأفريقية وروسيا والشرق الأوسط، والذين لا يستطيعون تقريباً التحدث بالألمانية، وكذلك للكثيرين الذين ليست لديهم سوى هذه الفرصة، أي الذين، لولا البرنامج، لما وجدوا ما يفعلونه سوى الإثارة والصخب في الزنازين».
ولكن لا يسمح سوى لنزلاء السجون المفتوحة بالخروج من الزنازين إلى البساتين حيث توجد خلايا النحل.
وسمحت مزرعة كونرادس الجبلية بمدينة لايشلينجن للسجن في ريمشايد، بوضع خلايا النحل حول بساتينها، والسماح للسجناء بالعمل هناك. إضافة لذلك يرعى السجناء بعض خلايا النحل في حديقة النحل الخاصة بالسجن.
يطير آلاف النحل في الشمس من زهرة إلى زهرة وتجلب معها بجد حبوب اللقاح إلى خلاياها، «فمع النحل يكون الإنسان في الطبيعة، ويتلقى صورة مختلفة عن العالم»، حسبما قال كريمر ناظراً إلى المساحات الخضراء الشاسعة أمامه. ويضيف: «الكثيرون لا يعرفون ذلك بهذا الشكل، الكثيرون يأتون للمؤسسة الإصلاحية بكثير من العيوب، واعتادوا تحقيق ذاتهم من خلال العدوانية، ولكن ليس هنا، فالسجناء العدوانيون لا يشاركون في بدايتهم في مشروع النحل الذي يرغب فيه السجناء… فهناك سجناء غير قابلين للعلاج، وهؤلاء يظلون في الحبس، ولا يخرجون من الزنازين».
يأمل كريمر أن ينضم كثير من السجناء المشاركين في برنامج تربية النحل، في فترة لاحقة إلى جمعيات تربية النحل خارج المنشأة الإصلاحية. هناك نزلاء لا يجدي معهم أسلوب العلاج ولا ينفع معهم إلا الحبس.
وتابع كريمر أن السجناء يستطيعون عند العمل في تربية النحل بعد السجن، الاستمرار فيما تعلموه أثناء السجن، «فهناك في الدنيا شيء آخر غير احتساء الخمر حتى الثمالة، وقضاء الوقت في الحانات، وهذا لا يعني أن مجرد المشاركة في البرنامج يمنع وقوع جرائم».