Beirut weather 29.35 ° C
تاريخ النشر June 24, 2019 05:43
A A A
لبنان في ورطة… «حروب» أهل الحكم تُضاعف الأزمات
الكاتب: صلاح سلام - اللواء

لبنان في ورطة، وسياسيوه يعيشون في كوكب آخر، وإنذارات ستوجه لبلدهم قريباً. بهذه الكلمات وصفت صحيفة «الفايننشال تايمز» الوضع في لبنان، على خلفية المشاحنات السياسية المستمرة، وحالة الانقسام المهيمنة على أهل السلطة، والتسابق الانتحاري بين الأطراف السياسية على ما تبقى من مغانم التعيينات وبقايا الصفقات.
ليست هي الرسالة الخارجية الأولى التي تعبّر عن الرفض الدولي لمسخرة التقشف الوهمي في مشروع الموازنة، بعد نقاشات بيزنطية في مجلس الوزراء دامت أسابيع فارغة.
أصبح واضحاً أن سياسة الالتفاف على الالتزامات اللبنانية التي قُدّمت لمؤتمر سيدر، لن تنطلي على المجتمع الدولي، وخاصة الدول المعنية بتقديم القروض والمساعدات، بعدما تبين أن الحكومة حصرت تخفيض النفقات برواتب الموظفين والمتقاعدين، بشكل رئيسي، وتجنبت الوصول إلى مواقع الفساد والهدر، وعجزت عن إنجاز أي خطوة إصلاحية حقيقية، مالية أو إدارية، وبالتالي لم تنفذ الحد الأدنى من التعهدات الإصلاحية التي قدمتها لمؤتمر سيدر.
ومن غرائب الأمور في إدارة السلطة الحالية، أن كل هذه المؤشرات الخارجية، والتنبيهات الدولية، لم تُحفّز أهل الحكم على الاستنفار، وتناسي خلافاتهم المصلحية والفئوية، والمسارعة إلى إعلان حالة طوارئ اقتصادية، تتم خلالها معالجة الهدر المستمر حتى الساعة في مالية الدولة، وكشف بعض، نعم «بعض» ملفات الفساد، ولو من باب رفع العتب أمام الدول المانحة، لعلمنا الأكيد أن لا نيّة عند أهل الحل والربط في التصدي لآفة الفساد، وكشف ملفات الفاسدين، رغم كل ما يُتحفنا به المسؤولون من خطابات رنانة في مكافحة الفساد!
هامش المناورة يضيق يوماً بعد يوم أمام الحكومة لعبور الأزمة الاقتصادية الراهنة بأقل خسائر ممكنة، وقبل وقوع السقف فوق رؤوس الجميع، ومع ذلك ما زالت الأولويات تنحصر في البحث عن مكاسب الحكم، والتلهي بخلافات لا تسمن ولا تُغني من جوع، بل تزيد الوضع تأزماً، وتهدر ما تبقى من ثقة داخلية وخارجية بقدرة السلطة الراهنة على إنقاذ البلد من المحنة المالية والاجتماعية التي يتخبّط فيها.
لقد فقدت هذه الحكومة الإئتلافية فعاليتها ومُبرر وجودها، بسبب هذه الانقسامات الحادة بين مكوّناتها، وغياب الرؤية الموحدة للخروج من النفق الحالي، وتصرّف الأطراف الرئيسية فيها، وخاصة التيار الوطني الحر، وكأن البلد بألف خير، ولا داعي للعجلة في البحث عن الحلول الجدية والملائمة للمواصفات العالمية في التصدي للأزمات الاقتصادية، وأن الأولوية هي للإمساك بالسلطة، والتفرّد باتخاذ القرارات المهمة، والإمعان في الخطاب الطائفي والتحريضي المهين، سبيلاً لشد العصب والتمهيد للاستحقاق الرئاسي المقبل، وكأن الانتخابات واقعة غداً، وليس بعد ثلاث سنوات وبضعة أشهر مثلاً!
والانقسام الحاصل بين مكوّنات الحكومة يهدد بشل أعمال مجلس الوزراء، وتأخير الخطوات الواجب اتخاذها لاستعادة ما يمكن من ثقة بهذه الدولة المرتبكة، الأمر الذي قد يدفع «البعض» إلى إعادة النظر بالوضع الحكومي برمته، تحت الشعور بفائض القوة الذي يتصرف على خلفيته التيار الوطني الحر.
وجاءت ردود فعل أطراف فاعلة في التركيبة الحكومية على تعويم التسوية بين الحريري وباسيل، وما تسرّب على جوانبها من تفاهمات على التعيينات، لتؤكد مرة أخرى أن الانسجام الحكومي أصبح في خبر كان، وأن المواجهات بين الأطراف السياسية والحزبية المتصارعة ستضاعف التحديات التي تعترض محاولات التوصل إلى الصيغ المناسبة للإنقاذ الاقتصادي، وبالتالي ستتضاعف الأزمات وتزيد معها المخاطر التي تحيق بالبلد من كل حدب وصوب.
ومن عجائب الحكم الحالي أنه روّج لقانون انتخابات على قاعدة النسبية، في حين يتجاهل اعتماد النسبية في التمثيل، مسيحياً وإسلامياً، في التعيينات المرتقبة، حيث يطالب باسيل، مثلاً، بالحصول على المراكز المسيحية في الإدارات العامة، بحجة أنه الأكثر تمثيلاً بين الأطراف المسيحية، متناسياً أن «القوات» تضم خمسة عشر نائباً، وممثلة بثلاثة وزراء في الحكومة، وتحتل المركز الثاني في التمثيل المسيحي.
إزاء «الحروب» المشتعلة بين أهل الحكم، كيف يمكن للبنان أن يتغلب على أزماته، وإلى متى سيبقى هذا الشعب المغلوب على أمره مستكيناً وصامتاً؟