Beirut weather 13.8 ° C
تاريخ النشر March 26, 2019 07:33
A A A
الاعتراف بسيادة “إسرائيل ” على الجولان … ترامب مجدداً يتحدى الشرعية الدولية
الكاتب: العميد شارل ابي نادر - موقع المرده

لم تختلف كثيرا ردود الفعل الدولية الشاجبة على توقيع الرئيس ترامب مرسوم الاعتراف بسيادة “اسرائيل” على الجولان السوري المحتل، عن الردود الدولية التي جاءت سابقاً على خلفية إعترافاته بالقدس عاصمة الكيان الصهيوني، او على إنسحابه وحيدا من الاتفاق النووي مع ايران، أو انسحابه من معاهدة الصواريخ القصيرة والمتوسطة المدى، او من اتفاقيات المناخ، او من اهم مبادىء التجارة العالمية لناحية رفعه فجأة التعرفات الجمركية مع الصين ومع الاتحاد الاوروبي، أكبر سوقين اقتصاديين للاميركيين استيراداً وتصديراً.
مسارٌ كاملٌ من التحدِّي للمجتمع الدولي في تجاوزٍ لقراراته ولمؤسساته، وكأن الرئيس ترامب جاءَ او جِيءَ به لمساعدة الولايات المتحدة الاميركية على التخلي عن التزاماتها الدول، هكذا وبكل بساطة، لأنَّ رئيسهَا مزاجيٌ ويملك مفاهيم تجارية، ولا يحب التقيُّد بالمعاهدات والإلتزامات الدولية.
بالعودة الى تغريدة الرئيس الاميركي حول ضرورة الاعتراف بسيادة اسرائيل على الجولان، والتي كانت سبقت توقيعه على مرسوم الاعتراف، يمكن تحليلها من اتجاهين:
الاتجاه الاول ويمكن ان يكون صحيحا بنسبة كبيرة، ويتعلق بدعم نتنياهو في الانتخابات الاسرائيلية المرتقبة، كون الموضوع يُدغّدِغ الشارع الصهيوني الداخلي واليهودي العالمي بشكل عام، وهذا الدعم يحتاجه سريعا نتنياهو في ظل صعوبات قوية تواجههه، صعوبات شخصية تتعلق باتهامات له ولعائلته بالفساد، تنتظر ثغرة تتعلق بالحصانة لتصبح جاهزة للدخول بمسار التحقيق القضائي، وصعوبات سياسية تتعلق بحملة قوية ضده يقودها تحالف من الجنرالات، على خلفية تقاعس وفشل وتردُّدّ حكومته في مواجهة المقاومة الفلسطينية في غزة، يرى نتنياهو وربما كان مصيبا، إنها ( مواجهة المقاومة ) ستكون بغير مصلحة أمن ” الكيان ” ، بينما يراها خصومُه ضروريةً لوقفِ تمدُّد قوة هذه المقاومة.
الاتجاه الثاني ويتعلق بضرورة تثبيت السيادة الاسرائيلية على الجولان السوري المحتل، لاسباب استراتيجية امنية، على اساس ان تلك المرتفعات تشكل نقطة ارتكاز دفاعية وهجومية، حيوية لِأمن الكيان القريب والبعيد، ولكن في الحقيقة، هناك تناقض وعدم واقعية في طرح ذلك الخطر الامني لتبرير شرعنة الاحتلال على الجولان، وذلك للاسباب التالية:
يتكلم الاسرائيليون والاميركيون عن خطورة الصواريخ الايرانية الاستراتيجية، والتي ادرجها ترامب في خانة اسباب انسحابه من الاتفاق النووي، حيث قال انها أخطر او خطرُها يوازي خطر السلاح النووي الذي تم تقييده في الاتفاق مع ايران، لذلك، بحسب الرئيس ترامب، يجب اعادة صياغة الاتفاق وادخال بند حظر الصواريخ في الاتفاق.
عملياً، يبقى خطر هذه الصواريخ الايرانية الاستراتيجية ثابت وموجود، من خارج الجولان حتما، وايضا من خارج الاراضي السورية، وقدرة تأثير هذه الصواريخ التي يتجاوز مداها الالف كلم، ستبقى موجودة، بمعزل عن بقاء الاحتلال في الجولان او تحريره منه.
النقطة الاخرى التي تستدعي بحسب الاميركيين والاسرائيليين الخوف من عمليات مقاومة تنطلق من الجولان، فهذا يمكن ان يتم ايضا، وربما يكون فعالا وآمنا اكثر ، من خلال ادخال وحدات خاصة ( مدنية في الظاهر ) تلقائيا من خارج الجولان او المناطق المحررة المتاخمة له، وتعمد الى تنفيذ العملية الخاصة التي تريدها او تطلق الصواريخ القصيرة او المتوسطة التي تريدها … وبمعنى اخر لا ضرورة لتواجد مباشر في الجولان المحرر، لتشكيل خطر على الجولان المحتل او على المناطق المحتلة الاخرى في فلسطين المحتلة.
في الحقيقة، ما اغفل عنه الاميركيون والاسرائيليون، أن الخطر الاكبر والذي لا يمكن لاسرائيل مواجهته، بمعزل طبعا عن اسلحة الردع التي تملكها المقاومة، حزب الله او حماس او الجهاد، او حتى الحرس الثوري الايراني، هذا الخطر الاكبر يبقى في الروح والوجدان المقاوم لدى الشعب الفلسطيني، وعملية الشهيد الفلسطيني عمر ابو ليلى الاخيرة، اتت لتكون مثالً صارخاً عن ذلك، حيث أن فتىً صغيراً، وبسكين مطبخ عادي، طعنَ جندياً صهيونياً داخل تجمع من الجنود، وانتزع سلاحه ونفذ عملية حساسة ودقيقة، اسقط عددا منهم بين قتيل ومصاب، وهذا العمل المقاوم، لا تختلف نتائجه عمليا عن نتائج اطلاق صاروخ موجه مداه بحدود 3 او 4 كلم، على الية عدوة في الجولان المحتل وقتل واصابة عدة جنود.
اذن المعادلة واضحة واصبحت تفرض نفسها، ولا يمكن لاسرائيل التغاضي عنها او لاميركا مساعدتها عليها وهي: لا امان للعدو في ظل احتلاله للارض العربية، الفلسطينية او السورية او غيرها، والنقاط الاستراتيجية مثل مرتفعات الجولان او مثل مزارع شبعا المحتلة، لا يمكن ان تؤمن له السلام الدائم، هي فقط تؤمن له – ولمرحلة مؤقتة – التوسع والمياه وعائدات السياحة …
وفي النهاية، من المحتمل جداً ان يكون الرئيس ترامب لا يعرف اين يقع الجولان السوري، ولكن الاكيد، أن مشكلة العدو الإسرائيلي الامنية ليست ابدا في الجبال الاستراتيجية المحيطة به، بل أن مشكلته الحقيقية، والتي لن يستطع مواجهتها هي في المقاومين( الجبال ) مثل الشهيد عمر ابو ليلى.