Beirut weather 30.72 ° C
تاريخ النشر June 19, 2019 07:08
A A A
مهمة ساترفيلد لم تكتمل.. هل ينجح خلفه بانهاء النزاع الحدودي دون تحيّز؟
الكاتب: دوللي بشعلاني - الديار

انتهت مهمة مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى ديفيد ساترفيلد كوسيط أميركي بين لبنان والعدو الاسرائيلي لترسيم الحدود البحرية والبريّة، على ما يبدو، بعد زيارته الأخيرة لبيروت وتأجيل موعد لقائه برئيس مجلس النوّاب نبيه برّي التي كانت مقرّرة الإثنين الفائت، من دون التوصّل الى وضع المفاوضات غير المباشرة بينهما برعاية وضيافة الأمم المتحدة على سكّة إنهاء النزاع اللبناني- «الإسرائيلي». وكان ساترفيلد قد بدأ منذ أكثر من شهر مهمة المفاوضات غير المباشرة بين الطرفين رغم تعيينه كسفير للولايات المتحدة الأميركية في تركيا منذ شباط الماضي، آملاً في أن يتمكّن من إنجاز ملف الترسيم قبل مغادرته. غير أنّ مهمة ساترفيلد لم تكتمل ولم تصل الى الغاية المنشودة رغم تحرّكه المكوكي بين لبنان والعدو الإسرائيلي في ثلاث زيارات متتالية خلال أربعة أسابيع.

وتقول أوساط ديبلوماسية عليمة بأنّ أكثر ما حقّقه ساترفيلد خلال زياراته الأخيرة هو انتزاع موافقة لبنان والعدو الاسرائيلي على التفاوض بهدف ترسيم وتحديد الحدود، غير أنّه لم ينجح في إقناع الطرفين لا حول تلازم المسارين البحري والبرّي أو عدمه، ولا حول مدّة وآلية التفاوض الممكنة وإن كان العدو الإسرائيلي قد أبدى ليونة في مهلة الـ 6 أشهر التي كان يشترطها. كما لم يستطع ساترفيلد إقناع الطرف «الإسرائيلي» الذي يريد الإستيلاء على ما لا يحقّ له برّاً وبحراً، بإعطاء لبنان حقوقه كاملة، سيما وأنّه غير مقتنع بهذا الأمر أساساً.. من هنا، فإنّ الهدف من القيام بهذه المهمة هو الإيحاء بأنّ التفاوض اللبناني- «الإسرائيلي» يسير على قدم وساق ما يخدم «صفقة القرن» ويريح الأجواء ويجعلها هادئة ومستقرّة في المنطقة الجنوبية أكثر من أي وقت مضى، إذ لا يُمكن توتيرها أثناء المفاوضات. ولعلّ هذا هو ما تريده «إسرائيل» في المرحلة الراهنة، أي تجنّب شنّ الحرب بينها وبين لبنان أو حزب الله فيه، ما يُشجّع الشركات العالمية على استكمال عملية التنقيب عن النفط والغاز واستخراجه في المنطقة البحرية من دون أي مشاكل، حتى ولو لم يتمّ التوصّل الى إنهاء النزاع الحدودي.

أمّا اشتراط العدو الإسرائيلي أن تمتدّ المفاوضات على مدى 6 أشهر ليس أكثر، والتي يبدو أنّها وافقت على أن تكون «في غضون أو خلال 6 أشهر»، فلغاية في نفسه، على ما أوضحت الاوساط، تتمثّل بقبوله بإلغاء هذا الشرط، مقابل أن يُقدّم له لبنان تنازل ما، يتعلّق بموافقته على الوساطة الأميركية أثناء المفاوضات ولا أحد سواها. ويعلم الجميع مقدار تمسّك «إسرائيل» بوجود الوسيط الأميركي للحصول على ما لا يحقّ لها، ولشرعنة دولياً، ما تودّ الإستيلاء عليه في البحر وعلى اليابسة عنوة.

كذلك، فإنّ لبنان المتمسّك بكامل حقوقه البحرية والبريّة، لم يُرضِ موقفه هذا العدو الإسرائيلي الذي يُحاول المراوغة، وإظهار بعض الليونة المزيّفة عن طريق إرسال ردوده الى الجانب اللبناني، على ما أضافت الاوساط، في الوقت الذي جلّ ما يريده هو تقاسم الرقعة البحرية المتنازع عليها مع لبنان (أو بالأحرى التي يودّ الإستيلاء عليها وتبلغ 860 كيلومتراً مربّعاً وتُشكّل جزءاً من البلوكين 8 و9 وتُلامس البلوك 10 من المنطقة الإقتصادية الخالصة للبنان في البحر)، على اعتبار أنّ في هذا الأمر تنازلاً من قبله، حتى ولو حصل منها سوى على 20% وليس على 40% على ما يقترح «خط هوف» الذي أعطى لبنان 60 % منها، وترك النسبة المتبقية معلّقة من دون السماح «لإسرائيل» بالحفر فيها لاستخراج النفط والغاز الطبيعيين الى حين التفاوض بشأنها. أمّا ترك المثلث البحري بكامله للبنان كونه من حقّه المشروع، بحسب قانون البحار، فهو أمر لن يرضى به الجانب الإسرائيلي، حتى ولو حصل التفاوض معه لسنوات، وليس فقط لأشهر، والدليل أنّ الأمور تراوح مكانها حول هذا الشأن نفسه منذ سنوات عدّة.

وعن الإنسحاب من مزارع شبعا وتلال كفرشوبا والقسم الشمالي من بلدة الغجر، فإنّ العدو الإسرائيلي لن يُفاوض بشأنه، بحسب المعلومات، سيما وأنّه يصرّ على ادّعائه بأنّ المزارع ليست لبنانية. ولا يبدو بالتالي أنّ العدو السوري جاهز حالياً لتقديم الأدلة للأمم المتحدة التي تؤكّد لبنانية المزارع سيما وأنّه منشغل بوضعه الداخلي وبأمور أخرى عدّة.

ولأنّه جرى تعيين مدير برنامج السياسة العربية في معهد واشنطن ديفيد شينكر كمساعد جديد لوزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى بالأصالة خلفاً لساترفيلد الذي تولّى هذا المنصب في العام 2017 بالوكالة، فإنّ شينكر سيتولّى، بحسب الأوساط نفسها، المهمات التي كان يؤدّيها ساترفيلد، ومن أبرزها مهمة الوساطة الأميركية بين لبنان والعدو الإسرائيلي توصّلاً لترسيم وتحديد الحدود البحرية والبريّة. ولهذا تربط الأوساط نفسها بين تأجيل موعد زيارة ساترفيلد للرئيس برّي، وبين انتهاء مهمة الموفد الأميركي الذي سيتوجّه الى تركيا لاستلام منصبه الجديد، في لبنان نهائياً، وترك مهمة التفاوض لخلفه شينكر الذي يحتاج الى نحو عشرة أيام أو أسبوعين لدراسة ما توصّل اليه ساترفيلد خلال محادثاته الأخيرة بين لبنان و«اسرائيل» لكي يتمكّن من متابعة المفاوضات. وهذا يعني بأنّه إذا لم يعد ساترفيلد الى بيروت خلال هذا الأسبوع، فإنّ الملف سيتحوّل الى شينكر الذي سيستأنف عمله في مطلع تمّوز المقبل.

وفي رأي الاوساط، إنّ شينكر الذي كان يعمل سابقاً في مكتب وزير الدفاع كمدير شؤون دول المشرق، والمساعد الأعلى في سياسة البنتاغون الخاصة بدول المشرق العربي، وكان مسؤولاً في هذا المنصب عن تقديم المشورة الى وزير الدفاع وكبار قادة البنتاغون حول الشؤون السياسية والعسكرية لشؤون إيران وسوريا ولبنان والأردن والأراضي الفلسطينية، وعمل كخبير داخلي في معهد واشنطن في مجال السياسة العربية ويُتقن اللغة العربية بطلاقة ، سيتمكّن من استكمال مفاوضات الترسيم بشكل جيّد، على غرار سلفه ساترفيلد المتخصّص بشؤون المنطقة. كما سيكون الموفد الجديد قادراً على خوض التفاصيل مع الجانب اللبناني باللغة العربية ما يجعله أقرب الى عدم تأويل ما قد يسمعه من المسؤولين اللبنانيين باللغة الإنكليزية.

ولكنّ الأوساط نفسها تخوّفت في الوقت نفسه، ممّا يُمكن أن تكون عليه مهمة شينكر، المعروف بأنّه يهودي الإنتماء وبتشدّده وتحيّزه للعدو الإسرائيلي. فهل سيتمكّن من متابعة المفاوضات التي بدأها ساترفيلد حول ترسيم الحدود، من موقع الوسيط وليس من موقع المتحيّز الى أحد الطرفين؟ علماً أنّ الوسيط الأميركي في الأساس متهم من البعض في الداخل اللبناني، لا سيما من حزب الله وفريق 8 آذار، بأنّه لا يُمكنه أن يكون حيادياً في المفاوضات، لأنّ الولايات المتحدة حليفة «لإسرائيل» وتودّ تأمين مصلحتها في المنطقة من دون أي نقاش، فكيف إذا كان المفاوض والوسيط الأميركي من أقرب المقرّبين والموالين لها ومن المتشدّدين الداعمين لمواقفها وقراراتها؟!

وأكّدت الاوساط بأنّ المفاوضات ستتواصل مع شينكر كون «إسرائيل» لا تنوي توقيفها أو تجميدها في الوقت الحالي الذي تتحضّر فيه واشنطن لعقد مؤتمر المنامة في البحرين الأسبوع المقبل وتحديداً في 25 و26 حزيران الجاري والذي ستكشف خلاله عن الشقّ الإقتصادي في «صفقة القرن» لحلّ الصراع «الإسرائيلي»- الفلسطيني. غير أنّ أي طرف لا يُمكنه منذ الآن التكهّن، ما إذا كان سيتمكّن من النجاح في مهمته هذه من خلال إنهاء النزاع الحدودي البحري والبرّي بين لبنان والعدو الإسرائيلي الذي عجز ساترفيلد عن حلّه، وخلال أي فترة!!