Beirut weather 18.33 ° C
تاريخ النشر March 22, 2019 05:44
A A A
هل إيران خطر على الأميركيين… وحاجة لهم؟
الكاتب: د. وفيق ابراهيم - البناء

تُثير هذه الإشكالية تناقضاً واضحاً، فكيف تكون إيران العدو الأخطر على الهيمنة الأميركية وتشكل في الوقت نفسه «حاجة» يبنون عليها لترهيب دول الخليج منها، وتحشيدها حول النفوذ الأميركي سياسياً واقتصادياً ولشراء الأسلحة المرتفعة الأثمان.

الجواب هنا بديهيّ وله علاقة بالفشل الأميركي في تطويع الجمهورية الاسلامية الإيرانية.

فنتيجة لهذا الإخفاق الأميركي في تغيير هذا النظام بالحروب المباشرة وبواسطة صدام حسين العراق والمحاولات الأميركية الخليجية لتفجيرها من الداخل والمقاطعات والحصار منذ أربعة عقود على التوالي ابتكر الأميركيون أسلوب الترهيب من الخطر الإيراني لجذب العرب والمسلمين حولهم وإخافتهم من إيران «الشيعية»، كما يزعمون.

مفهوم الحاجة الى إيران هو اذاً اعلان عجز أميركي عن تفجيرها ومحاولة لإسقاط الصراع العربي الاسرائيلي التاريخي ونصب عداء جديد بديلاً منه هو «عربي إسرائيلي» في وجه العدو الجديد المشترك للطرفين وهو إيران.

هذا يكشف على الفور ضعف الأميركيين في إسقاط هذه الجمهورية الاسلامية وتحولهم الى المحافظة على امبراطوريتهم في الشرق الاوسط بتطويق إيران وسط مدى خليجي وعربي معادٍ لها مع إثارة إجواء متوترة في منطقة الخليج وبحارها.

كيف نجحت إيران في تنفيس سياسات الخنق الأميركية؟

أعلن الأميركيون خطة القضاء على إيران بأسلوب «تصفير» صادراتها، خصوصاً من النفط والغاز والضغط لمنع الدول من توريد أي شيء إليها وكانت هذه التدابير آخر الإبداعات الأميركية التي اعتقدت بإمكان خنق إيران اقتصادياً، فالأسلوب العسكري فشِل بتدميرها كما أن تدميرها من الداخل بتفجير التنوّع العرقيّ والمذهبيّ سقط بدوره لأن الإيديولوجيا الاسلامية في إيران بدت أكثر أهمية من «الانتربولوجيا» والبيولوجيا.

فذهبت نحو الخنق الاقتصادي كوسيلة لإسقاط إيران سياسياً بطريقة يعتقد الأميركيون أنها تؤدي حكماً الى تفتيتها حسب انقساماتها المذهبية والعرقية.

قد يكون الحصار الأميركي المفروض حولها منذ ثلاثة أشهر نجح بمعدل 35 في المئة في تراجع الاقتصاد الإيراني استيراداً وتصديراً لكن نجاح الإيرانيين على المستويين الحكومي والشعبي في استيعاب هذا التراجع أحدث نكسة للأميركيين وتحالفاتهم. على الرغم من أن كثيراً من الدول التزمت بخطة المقاطعة الأميركية لإيران.

ما يحدث الآن وبعد ثلاثة أشهر من الحصار عليها، تبدو الجمهورية الإيرانية أكثر ثقة بإمكاناتها وتستعدّ لكل أنواع الحصار، لكنها في الوقت نفسه فرضت على الأميركيين المزيد من التراجع بدا أولاً على شكل إعفاء أميركي لعلاقات العراق الاقتصادية معها لثلاثة أشهر جديدة تنتهي في آخر حزيران المقبل بما يعنيه هذا الأمر من حدود مفتوحة تربط طهران ببغداد ودمشق لمختلف أنواع الواردات والصادرات.

كما وقع الإيرانيون نهجاً اقتصادياً ائتمانياً مع الصين بعلاقات اقتصادية مفتوحة ولهم مثيلها مع تركيا واليابان والهند وبشكل أوسع مع روسيا من دون نسيان باكستان.

إلا أن الأوكسجين الهام الذي تبدأ إيران بتنفسه في الأسابيع المقبلة هو إقرار متبادل بينها وبين الأوروبيين بآلية جديدة للتبادل الاقتصادي عبر إقرار اتفاقية «أينستكس» التي تنظم استيراد أوروبا لصادرات إيرانية وواردات منها.

لمناقشة ما تقدّم فإنه يؤكد ان الخنق الأميركي لإيران لن يزيد في مطلق الاحوال عن 35 في المئة من تفاعلاتها الاقتصادية وهذا شأن بالإمكان تدبّره في بلد اعتاد منذ 1979 على الانتصار على المصاعب.

ثانياً: كيف يمكن خنق بلد حدوده مفتوحة من كل اتجاهاتها الروسية عبر بحر قزوين والأذربيجانية والباكستانية والعراقية التي تربطه بالمتوسط عبر سورية وحزب الله! وبحر الخليج مفتوح لحركة سفنه التجارية وبوارجه العسكرية التي أجرت مؤخراً مناورات بحرية اصابت المنافسين الخليجيين والأميركيين بالذهول وللمحافظة على دول الخليج ومنعها من أي تقارب محتمل مع إيران، تعهّدت «إسرائيل» بقصف الناقلات الإيرانية التي تخرق كما زعمت «إسرائيل» «قرارات الحصار».

فقدمت بهذا التهديد تطميناً «للأصدقاء الجدد» في الخليج بأسلوب لا يرتفع عن الأبعاد الخطابية فقط من دون أي قدرة على مجابهة فعلية عسكرية.

فهناك إصرار أميركي إسرائيلي على أن القانون الدولي يكون حيث تكون المصالح الأميركية او لا يكون على الإطلاق.

فها هي «إسرائيل» تعتبر العقوبات الأميركية بمثابة قوانين، علماً انها ليست قرارات صادرة عن الأمم المتحدة بل هي أوامر من الادارة الأميركية الترامبية، التزمت بها معظم الدول المنتمية الى الفلك الأميركي.

لكن الملاحظ ان علاقات إيران بالكثير من الدول الوازنة لا تزال قوية وتؤمن لها مجابهة فاعلة للحصار الأميركي عليها اقتصادياً.

إلا أن إيران، المتأكدة من وجود استعدادات أميركية إسرائيلية خليجية لمحاربتها ردّت بمؤتمر عسكري ثلاثي إيراني عراقي سوري أعلن تنسيقاً عسكرياً مقابلاً هدفه تحرير سورية من الأميركيين وكل أنواع المحتلين، لكن مراميه البعيدة هي للدفاع عن هذا المحور الممتد من إيران الى سورية بخلفية التحالف مع روسيا والاستناد الى تحالفات إيران المنتشرة في العالم الإسلامي والشرق الأوسط.

وهذا يوضح أن فشل الأميركيين في إسقاط إيران جعلهم يحولونها حاجة لمنع انهيار حلفائهم وذلك بالترهيب من قوتها وتحالفاتها على استقرار الانظمة القرون اوسطية والشديدة التخلف في الخليج وبعض انحاء العالم الإسلامي.