Beirut weather 19 ° C
تاريخ النشر July 16, 2016 05:06
A A A
الدم المسفوك في نيس.. ماذا بعد؟
الكاتب: السفير

زوبعة الإدانات سرعان ما ستتبدد، ولن يظل عالقاً في أذهان الجميع، من الناس المكلومين وصولاً الى السياسيين المتخاذلين، رجال الدين المتواطئين، والقتلة، سوى صورة اللعبة الملقاة قرب جثة طفلة ممددة ومغطاة عند ذلك الشاطئ اللازوردي. لن يتذكر كثيرون فرنسوا هولاند وهو يخرج في كل مرة ترتكب فيها مذبحة في احد الشوارع الفرنسية ـ أو الأوروبية ـ متوعداً بمواجهة الإرهاب، المصطلح الذي اضاف اليه بالأمس مصطلح «الاسلاميين الارهابيين».
ما من مكان آمن. هذا هو الهاجس الذي بات يؤرق ملايين الناس حول العالم، ليس فقط في مدينة نيس. الضحايا بالمئات، بالآلاف، بعشرات الآلاف، من تونس الى مصر وليبيا واليمن ولبنان وسوريا والعراق وبنغلادش وباكستان وافغانستان وبلجيكا… ضحايا الشاحنة القاتلة في نيس بالامس لم يكونوا كلهم من الفرنسيين. هناك غربيون، وهناك مسلمون وعرب بين الضحايا الذين تجاوزوا الـ200 بين قتيل وجريح. ما من هوية واحدة، وما من مذهب او دين واحد ولا اصل عرقي واحد. الضحايا، انا وانت وهم، في بيتك، في الشارع، في السوق، في المدرسة، في المقهى، في معبد او مسجد او كنيسة. لم تعد قضية نضال هذه. هو إرهاب بكل ما في الكلمة من معنى.
القاتل ايضا لم تعد له هوية محددة. القاتل في نيس تونسي مقيم في فرنسا منذ سنوات. محمد لحويج بوهلال، لم يكن على قائمة الخاضعين لمراقبة أجهزة الاستخبارات لكنه كان معروفاً لدى الشرطة في ما يتصل بجرائم سرقة وعنف. كما روي عنه انه كان من متعاطي المخدرات وليس من الملتزمين دينيا. لكن الرئيس الفرنسي «الخفيف» القى التهمة سريعا على «الاسلاميين الارهابيين». لم تحسم هوية المجرم بعد، وربما تخرج غدا وكالة «اعماق» التابعة لـ «داعش» لتقول إنه من «فرسانها» الذين اندسّوا بين «الكفار» وأوقعوهم قتلى وجرحى! اما لماذا تحولت نيس الى احد مراكز تفريخ وتجنيد الساخطين على المجتمع والعالم، فسيظل المعضلة الاكبر.
وكأنها «صناعة القاتل». فالاكثر خطورة أن القاتل يمكن ان يكون أياً كان، ليتحول بلحظة «خفّة» او بسبب مخطط «جهادي» مسبق، الى «نجم» تتصدر اخبار جريمته عناوين الصحف في كل العالم. على ان المفارقة الأكبر ستظل ان الجميع سيغسل اياديه منه، بينما تصدح فتاوى التكفير والتحريض في كل الانحاء، ويلوذ السياسيون الكبار بالصمت عن جرائم «الصغار» من القتلة «الجهاديين» الممولين في كل اصقاع الارض، وفي ارضنا العربية تحديدا، بالمال والسلاح والشحن المذهبي والديني، التي حولت قضايا المظلومية والدفاع عن النفس والأرض، نحو مقاصد مضللة.
يقول رئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالس «انتقلنا إلى حقبة جديدة… ويجب أن تتعايش فرنسا مع الإرهاب». ويقول نظيره البلجيكي شارل ميشيل إنه «لا وجود لدرجة الخطر صفر».
حمزة (28 عاماً) يروي لصحيفة فرنسية أن أمّه كانت «الضحية الأولى في الاعتداء الإرهابي. لم يكن هناك أي جثة قبلها. كانت محجّبة وتمارس تعاليم الإسلام. الإسلام الصحيح».
فرنسا تعلن الحداد وتنكّس الاعلام، والدول الاروبية الجارة، تتأهب امنيا. وغدا، ربما بعد عشرة اعوام، قد يخرج «تقرير شيلكوت» اخر ليتحدث عن اخفاقات سياسية وأمنية ادت الى ما ادت اليه حتى الآن من موت في شوارع فرنسا، او ربما في غيرها من دول، لكن الخوف ابعد من ذلك بكثير. قبل ايام، تلاشت حكايات 300 انسان في الكرادة. في القاع، في بيروت، في تونس، في دمشق، وفي داكا، ستظل اخبار الموت تلاحقنا، طالما اقتضت مؤامرات السياسيين ذلك. بالأمس، ذكر بيان بثّه موقع قناة «الإخبارية» السعودية أن هيئة كبار العلماء وهي أكبر هيئة دينية في المملكة، بعدما ادانت هجوم نيس، اعتبرت ان «ما يحصل في العالم من اختراق الإرهاب للمجتمعات وانتشاره في دول متعددة بين مختلف القارات هو نتيجة من نتائج جرائم النظام السوري وأعوانه الذي أصبح مفرخة للإرهابيين القتلة»!

ناجون لـ«السفير»: 4 دقائق من الرعب أمام شاحنة الموت

الكثير من المنددين بالأمس يعرفون عناوين القاتل بوضوح، لكنهم كلهم ربما لسبب مختلف، لا يريدون قتاله حقا. ويقولون الآن إنه «ذئب منفرد»!
اربع دقائق فقط كانت كافية لوقوع المذبحة ما بين انعطافة سائق الشاحنة التونسي من الطريق الرئيسي نحو الحشد المكون من نحو 30 الف شخص، وهم يحتفلون بالألعاب النارية لمناسبة العيد الوطني الفرنسي، ثم على طول كيلومترين عند شاطئ المدينة الفرنسية. ناجون تحدثوا لـ «السفير» عن بعض أهوال ما حدث في هذه الليلة الدموية التي لم توفر حتى الاطفال. (تفاصيل صفحة 5).
تبدّل الوضع خلال دقائق من الفرحة العارمة إلى المأساة والهلع والرعب. بعد أن كانت الأجواء فرحة بانطلاق الألعاب النارية خلال الاحتفال باليوم الوطني الفرنسي قبالة البحر، يؤكد ميشال، الذي كان متواجداً في «ساحة ماسينا» على مقربة من مكان الاعتداء، أن «حالة هلع سادت في المكان. بعض الأشخاص كانوا يبكون وكانوا منهارين من دون أن يفهموا ما يجري. آخرون ركضوا من دون وجهة محدّدة أما البعض الآخر فقد حملوا أطفالهم وركضوا فيما شرع آخرون بالبحث عن أطفالهم، الذين ضاعوا بين الحشود. البعض قفز في البحر فيما اختبأ البعض الآخر في الحمامات العامة، المطاعم والفنادق المحيطة، التي أقفلت على الفور. اختبأت مع أصدقاء لي في قبو مخصص لحفظ النبيذ».
«كان الجميع يصرخ: سيصل.. سيصل.. هو يطلق النار في كل اتجاه ليتبيّن في ما بعد أن الشرطة هي من كانت تطلق النار لتوقف المهاجم»، تفيد دنيا صايغ برغي، التي تعيش في نيس في محلة جان ميدسان، وهو مكان قريب على مكان الاعتداء.
تقول برغي لـ «السفير»، «أضعت صديقتي. سرت عكس الحشد لأبحث عنها وكنت أرتعد خوفاً من أنها قتلت وأنني سألقى المصير ذاته حين سألتقي به (المهاجم)».
وتنقل عن صديق شرطي أرسل لها رسالة نصية يقول فيها: «كانت الجثث مرميّة على الأرض أينما كان». المشهد دموي. لا أستطيع الكلام. لم أرَ سوى جثثاً مشوّهة».
من جهته، يشير صلاح عبدل، وهو صاحب محل في الـ Vieux Nice في وسط المدينة، إلى أن الناس تهافتوا إلى محله، ومنهم من اختبأ تحت الطاولات وفي الخزانات.
ماتياس سوم، صحافي وصل إلى المكان ليصوّر الاعتداء، يصف المشهد بالقول «جثث أينما كان، جثث مشوّهة ودماء، دراجة نارية محترقة ولعبة وحيدة. الأسوأ هو العدد الكبير من الأطفال».
ويضيف لـ «السفير»، «استمررت بالتصوير. المزيد من الجثث وأنا أكمل التصوير. صوت رجل يصرخ من بعيد: لا تصوّر هذا ابني الذي تحت الغطاء. يمسكني الرجل بيدي ثم يقول بلوعة: نعم هذا طفلي».
***

جثة إحدى ضحايا هجوم نيس (رويترز)

جثة إحدى ضحايا هجوم نيس (رويترز)