Beirut weather 11.99 ° C
تاريخ النشر March 12, 2019 07:31
A A A
الى اين تتجه العلاقة الاميركية – التركية بعد صفقة أس 400 الروسية لانقرة؟
الكاتب: العميد شارل ابي نادر- موقع المرده

يتصاعد الخلاف التركي الاميركي، مع قرب حصول انقرة على منظومة الدفاع الجوي الروسية اس 400، وحيث كانت قد خيرتها واشنطن كشرط لحصولها على القاذفة الشبحية الاستراتيجية الاميركية اف 35، ان تلغي صفقة الصورايخ الروسية، يبدو أن هذا الخلاف، والذي اخذ طابعا استراتيجيا، يتعلق بصراع المحاور والاصطفافات، ما بين ثبات تركيا في محور وتوجهات حلف شمال الاطلسي، والتي هي عضو اساسي فيه، مع ما يستتبع ذلك من التزامها باسلحة الحلف المذكور كعماد رئيس لتجهيز جيشها، وما بين الابتعاد عن هذا الحلف واختيارها التموضع في الحضن الروسي، وما يمكن ان ينتج عن ذلك من إدخال بعض الاسلحة والتجهيزات الروسية الى جداول التجهيز الخاصة بوحداتها المسلحة.
عمليا، وبهدف اتخاذ القرار، من غير المنطقي ان تنطلق تركيا بالكامل من ابعاد سياسية – استراتيجية، من دون الاستناد الى المعطيات العسكرية – الاستراتيجية، والتي من المفترض ان تكون المحرك الاساس للاختيار بين المنظومة الروسية او القاذفة الاميركية، فما هي المعطيات العسكرية التي ممكن ان تلعب الدور الاساس في الاختيار ؟ وكيف يمكن ان تؤثر مميزات وقدرات كل من السلاحين النوعيين في تكوين استراتيجية تركيا القتالية ( دفاعاً ام هجوماً ) ؟.
منظومة الدفاع الجوي الروسية اس 400
تمتلك أنظمة “إس – 400″، باعتبارها واحدة من أهم أنظمة الدفاع الجوي في العالم، قدرات فعالة على حماية الأجواء وتدمير الطائرات المقاتلة وطائرات التحكم والاستطلاع والطائرات الاستراتيجية والتكتيكية والصواريخ البالستية، وجميع الأهداف الطائرة التي تفوق سرعتها سرعة الصوت مثل طائرات الشبح و الانذار المبكر والطائرات المقاتلة وطائرات الحرب الالكترونية والقاذفات الاستراتيجية وصواريخ كروز وتوماهوك والصواريخ الباليستية .
للمنظومة امكانية اطلاق صواريخ طويلة المدى 400 كلم ومتوسطة المدى ( 120 كلم ) وقصيرة المدى 48 كلم ، مع قدرة فعالة على متابعة حوالي 300 هدف في وقت واحد وتدمير 35 منها في آنٍ معا، مع امكانية تدمير الاهداف المنطلقة بسرعة حتى 4800 كلم بالساعة، فيما يبلغ عدد الصواريخ الموجهة في وقت واحد 72 صاروخًا.
القاذفة الاميركية اف 35 لايتنغ الثانية ( لوكهيد مارتن )
مقاتلة متعددة المهام ( قاذفة اهداف ارضية ومهاجمة طائرات اخرى )، يبلغ طولها نحو 15.7 مترا، وارتفاعها 4.33 أمتار، وتصل سرعتها إلى نحو ألفي كيلومتر في الساعة، وتستطيع أف 35 التحليق لمسافات بعيدة دون الحاجة إلى التزود بالوقود، ويصل مدى التحليق إلى 2200 كيلومتر، وبسرعة 1.6 ماخ أي نحو ألفي كيلومتر في الساعة.
بإمكان الطائرة حمل أسلحة متنوعة، بينها قنابل موجهة بالليزر، وصواريخ موجهة جو جو، فيما لم تتأكد الأنباء بشأن قدرتها على حمل رؤوس نووية.
الاختيار التركي
يمكن ان تختار تركيا منظومة الدفاع الجوي الروسية اس 400، فهي ( المنظومة ) سلاح دفاعي بامتياز، لها القدرة على استهداف كافة انواع الطائرات والصورايخ، والتي من الممكن ان تتعرض لها الاراضي والمصالح التركية، وتتفوق على منظومات الدفاع الجوي الاميريكة المتطورة مثل ” ثاد ” لناحية ان الاخيرة تختص بالدفاع ضد الصواريخ فقط وليس ضد الاثنين ( صواريخ وطائرات )، وهذا لا يناسب الاستراتييجة التركية التي تعتبر انها بحاجة للدفاع ضد الطائرات والصواريخ، خاصة ان امكانية تعرض اراضيها ومصالحها واردة من دول تملك صورايخ وقاذفات متطورة مثل اسرائيل او مثل المملكة العربية السعودية، وتصميم ال اس 400 جاء باغلب تقنياته لمواجهة الصورايخ والقاذفات الاميركية.
صحيح ان ال اف 35 كقاذفة هجومية اميركية متعددة المهام ، تستطيع ان تؤمن لتركيا مناورة قتالية متقدمة، هجوما او دفاعا، ولكن هناك أسباب تقنية تدفعها للابتعاد عنها، حيث اعلنت اكثر من دولة تعليق تحليق المقاتلات الاميريكة اف 35 لايتنغ الثانية، بعد تحطم مقاتلة احداها في ايلول من العام الماضي بولاية ساوث كارولينا. والسبب يعود إلى مشاكل في نظام إمدادات الوقود للطائرة، الأمر الذي تطَّلب إجراء فحص شامل لهذا الطراز من المقاتلات، حيث تم الكشف عن خلل فني في عمل محرك الطائرة.
وهناك ايضا اسباب استراتيجية تدفع تركيا للتمسك بصفقة اس 400 وهي ان الاخيرة تستطيع ان تتكامل مع منظومات أخرى متوسطة وحتى قصيرة المدى للدفاع الجوي، وربما هذا يناسب تركيا لناحية امكانية الاستفادة من منظومات دفاع جوي موجودة لديها اصلا.
وفي مجال آخر، قال نائب رئيس الوزراء التركي :” إن المهندسين والعلماء الأتراك سوف يطوّرون قدراتهم لتصنيع مثل هذه الصواريخ، بفضل استيراد تكنولوجيا انتاجها، في إطار الصفقة مع روسيا “، ولكن هذا الموضوع بقي غير مؤكدا من جانب الروس، حيث يُعتبر حساسا في استراتييجة موسكو، خاصة وان تركيا ما زالت عضوا فاعلا في الناتو .
وكان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، قد اشار إلى أن أمين عام الناتو، ينس ستولتنبرغ، قال في أكثر من مناسبة إن كل دولة بالحلف لها وحدها قرار تأسيس أنظمة دفاعاتها، مضيفا : “لذلك قمنا باتخاذ ما يلزم بخصوص الدفاع عن تركيا “.
انطلاقا مما سبق، وحيث لم يصل ابدا حتى الان التوتر الاميركي – التركي، وفي اغلب الملفات المتعارضة بين الدولتين، الى درجة الخلاف الجذري والافتراق، فمن غير المستبعد ابدا، ان تعمد الولايات المتحدة الاميركية لتسوية مع انقرة، تسلمها فيها اف 35، حتى مع حصولها على المنظومة الروسية، مع ضمان تثبيت موقعها في حلف شمال الاطلسي، بعيدا عن الحضن الروسي، مع عدم استبعاد موافقة واشنطن على صفقة اس 400 لتركيا، طمعا لاحقا بالحصول على المناسب من المعطيات التقنية والفنية المتعلقة بتفاصيل تصنيع المنظومة الروسية.