Beirut weather 11.94 ° C
تاريخ النشر March 11, 2019 07:10
A A A
حكومة الحريري تحت رحمة «الثور الأميركي الهائج»…
الكاتب: د. وفيق إبراهيم - البناء

هناك ثورٌ أميركي «هائج»، كما وصفه رئيس المجلس النيابي نبيه بري ينطحُ بقرنيه المتزعزعين في كلّ الاتجاهات في محاولة للاستمرار في الميدان الشرق الأوسطي.
لبنان جزء هامّ من هذا الميدان تركزُ السياسة الأميركية ضغطها عليه وذلك لأسباب عدة:
الدور الصاعد لحزب الله في المؤسسات الدستورية اللبنانية وتفاعلاتها السياسية والاجتماعية وصعود الدور الروسي فيه، الذي يعتبره لبنان وسيلة لإعادة النازحين السوريين إلى بلدهم والتزوّد بمنظومات للدفاع الجوي يرفض الغرب الأميركي والأوروبي تزويد لبنان فيها، ما يعطل العربدة الجوية لـ «إسرائيل» في سماء لبنان يومياً.
هناك أسباب أخرى على علاقة أساسية بتعاقد لبنان مع شركة النفط الروسية «روسنفت» لإعادة تأهيل مصفاة طرابلس ما يكشف حسب الأميركيين عن نيات روسية للمشاركة في استثمار احتياطات لبنان من الغاز والنفط، وهذه خطوط حمر تخرق الانتماء الغربي التاريخي للسياسة اللبنانية وتضعه، حسب ما يُفكر المنظرون الأميركيون في إطار روسي ايراني جديد: الأولى روسيا تصعد بسرعة نحو ثنائية دولية والثانية إيران تؤكد دورها الإقليمي المتوسع.
هذه هي أسباب هيجان الثور الأميركي الذي بدأ بإرسال سلسلة موفدين من مستوى معاونين لوزراء أميركيين، وصولاً الى وزير الخارجية الأميركي بومبيو الذي يحضر شخصياً الى لبنان بعد جولة له في «إسرائيل».
لقد نظم الموفدون الأميركيون ومنهم معاون وزير الخارجية ساترفيلد حركتهم في لبنان على مستويين: الأول تجميع قواهم اللبنانية وشدّ عصبها لتلبية مطالبهم عبر رفض كلّ اتفاق مع روسيا والتصدي لعودة النازحين واعتبار شراء السلاح منها قطعاً للعلاقة مع الغرب، أما الغاز والنفط فاستثمارهما محصور بموافقة واشنطن المسبقة التي ترتبط بموافقة «إسرائيل» أيضاً.
أليس هذا هو سبب المشادة التي حدثت عندما طلب ساترفيلد من الرئيس بري الموافقة على تنازل لبنان عن 650 كلم مربع من حدوده البحرية المحاذية لفلسطين المحتلة، وإلا فإنّ العرض الأميركي مسحوب، وبالطبع رفض الرئيس بري التهديد الأميركي وجابهه بتهديد مماثل قائلاً لساترفيلد إنه لن يستقبله مرة أخرى على قاعدة أنّ لبنان مُصرّ على إعادة النازحين واستثمار موارده.
لم يكتفِ الأميركيون بتجميع القوى السياسية المحسوبة عليهم من قوات واشتراكي ومستقبل وعشرات الشخصيات السياسية، بل رفضوا مقابلة الرئيس ميشال عون مكتفين بزيارة «جبر خاطر» لوزير الخارجية جبران باسيل أعلموه فيها بموعد زيارة بومبيو، مركّزين على اللقاء برئيس الحكومة سعد الحريري والوزير السابق وليد جنبلاط وحزبي الكتائب والقوات في ما يشبه حركة استنفار.
هناك خطوةٌ سرية لم يعلنها الأميركيون بعد، ويحتفظون بها للاستعمال في حالة فشل الضغط عن طريق قواهم اللبنانية السياسية وتتعلق بعشرات القرارات التي ترفض التعامل مع حكومة لبنانية فيها تنظيمات تدينها واشنطن وأوروبا والخليج بالإرهاب الى جانب استصدار عقوبات بمقاطعة شركات واقتصاديين لبنانيين وسياسيين وإعلاميين بحجة أنهم يدافعون عن تنظيمات إرهابية، وقد تشمل منع التحويل المالي الى لبنان ما يقطع علاقة نصف لبنان وأكثر بأبنائه المغتربين على المستوى الاقتصادي دافعاً به نحو إفلاس حتمي بعد وقف كلّ أنواع التحويلات.
سياسياً هذه القرارات حين توضع موضع التنفيذ الغربي تسقط حكومة الحريري فوراً وربما ينهار لبنان بشكل كامل، وتنفتحُ آفاق الاضطراب الداخلي الذي قد يتدحرج نحو حروب داخلية، الأمر الذي يعطي «إسرائيل» فرصة شنّ هجوم على لبنان بتغطية من بعض القوى السياسية اللبنانية كما حدث عام 1982 والأميركيين والأوروبيين وقسم كبير من الدول الخليجية، بغضّ طرف مصري وعربي عام باستثناء سورية والعراق، ومنظّمات غزة وأنصار الله في اليمن.
إنّ إثارة الفوضى في لبنان حسب التحليل الأميركي تؤدّي الى عودة الأميركيين لخنق السياسة اللبنانية والتهام موارد الغاز والنفط وعلاقة لبنان بمحيطه العربي والإقليمي والدولي، كما تؤدّي إلى توفير إقامة هانئة للنازحين السوريين في ربوعه حتى مرحلة انتخابات الرئاسة في سورية، فيقترع هؤلاء لمرشحي المعارضة المؤيدين من واشنطن والسعودية أو يجري استعمالهم ورقة ضغط لتأمين تنازلات من الدولة السورية للنفوذ الأميركي.
هناك شائعات تتحدث عن عرض أميركي بالمقايضة بين عودة النازحين من لبنان إلى سورية وإعادة إعمارها مقابل الموافقة على التنازل عن الجولان السوري المحتلّ لـ «إسرائيل» والتخلي عن القضية الفلسطينية في إطار صفقة القرن.
هذا ما يريده الثور الأميركي الهائج.
والجواب انّ هذا الثور لم يتمكن من تحقيق هذه المطالب عندما كان قرناه صالحَيْن للنطح، فكيف بوسعه إنجاز أمانيه بقرنين مهشمين؟
الرئيس عون ذاهب الى روسيا بعقلية رئيس دولة منطقي يريد الدفاع عن بلاده وتأمين ظروف استقرارها على المستويات السياسية والاقتصادية والعسكرية ولن يتراجع لأنّ الاستجابة للضغط الأميركي خنق لبنان، وهناك فرصة للتعامل مع سورية لحلّ مسألتي النازحين والعلاقات الاقتصادية بما يؤدّي الى ازدهار لبنان.
أما لجهة الدولة السورية فإنّ ما حاربته وانتصرت عليه في حرب الأعوام الثمانية لن تعطيه لمهزومين تحطّمت قرونهم، هذا بالإضافة الى أنّ حلفها مع الروسي والإيراني وحزب الله جدير بالدفاع عن كامل هذا المحور، فهل يدافع الحريري عن حكومته في مشروع خنقها أميركياً؟
قد يجد نفسه مضطراً استناداً لموازنات القوى الجديدة رفض محاولات دفعه للانتحار سياسياً، لأنه يعلم ان خسارة دوره الآن في رئاسة الحكومة لن تسمح له بالعودة إليها مجدّداً، وذلك حسب الموازنات نفسها التي لا تتعامل مع الضعفاء.