Beirut weather 11.21 ° C
تاريخ النشر July 15, 2016 04:07
A A A
أوهام العرقية وإنكار الطبقات
الكاتب: الفضل شلق - السفير

ينشأ العنف عن العرقية، ويسمونه إرهاباً أو ما يشبه ذلك بعنف لا عقلاني، يختلف عن عنف السلطة العقلاني والضروري. يختلف تصنيف العنف حسب من يمارسه. هو ليس حسناً أو سيئاً، إلا بالنظر لمن يمارسه. إذا كانت السلطة فهو عنف جيد، إذا كانت جماهير غاضبة تمارسه فهو سيئ.

العرقية ممارسة للسلطة. هي اعتبار أن الآخر مختلف عنا، بل خطر علينا. «هم» في مواجهة «نحن». اعتبار أن «هم» متشابهون في كل شيء، في أشكالهم وأفعالهم، وجودهم البيولوجي، أو بعض الملامح البيولوجية، كَلَوْنِ البشرة، تقرر أفعالهم لا إرادتهم ولا السياسة ولا الظروف الاجتماعية. هم بطبيعتهم، وبما خلقوا عليه، مهيأون للقيام بأعمال لا تلائمنا ولا تتناسب مع ثقافتنا. أعمال تنال من سيادتنا. سيادتنا في أن نكون طبقة أسمى، وأن نكون سلطة عليهم. حتى لو جئنا برئيس منهم فإنه مكبل بما لا يستطيع فعله، يحيط به النظام. ما يقوله ترامب يمكن أن يوصله للرئاسة: ما لا يستطيع أوباما قوله وفعله يجعله عاجزاً.

في كثير من الأمور تتشابه العرقية والطائفية والإثنية. عصبيات تنشأ حتى حول الفرق الرياضية، ويرتكب العنف دعماً لها أو باسمها. هم، «العرق» المختلف، جزء منا، منعزل عنا. ندعي أننا نعرفهم، وأننا نعرفهم أكثر مما يعرفون أنفسهم. يحتاجون إلى رعاية. نحن في مباراة دائمة معهم. الواقع أننا لا نعرف عنهم إلا القليل ما يتيحه الاحتكاك اليومي الذي نحاول تجنبه. شكوك وأوهام تنزرع في نفوسنا. نتوجس منهم. يخافون منا. يجب أن نخاف منهم. لديهم ما هو مضمر وما هو معلن. لا يعلنون إلا ما يبدو بريئاً وما يسمح به «الإتيكيت». المضمر شر دائماً. يا ويلنا منهم.

تستطيع أن تكتب عن العرقية وكأنك تصف الطائفية. في كل منهما يملي عليك فعل الولادة ما تكونه لاحقاً. أنت كذلك، جيد، طيب مهضوم، ثقيل الدم، مجرم، مسالم، الخ… لأنك ولدت أسود أو في دين معين. تشاركهم في الوطن وفي الحياة العامة. لكن الخوف هو مما يبطنون. يجب إبقاؤهم بعيدين عما يلوث بيئتنا. نحن محظوظون بالبيئة التي نحن منها. هم غير ذلك. يجب أن يكونوا محظوظين في البقاء وحسب. نعاملهم بإحسان. هذا من ضرورات الدين. لكن الاحترام لهم، وبالتالي الاحترام المتبادل ممنوع. ديننا أوصانا بالإحسان. كأن دينهم لم يوصهم بذلك. ديننا أوصانا بالتسامح، كأن دينهم لم يوصهم بذلك. هم لا يبادلوننا الشيء ذاته إلا مضطرين، وأحياناً بفضل القمع. ليسوا مهيئين للتسامح والإحسان والعدل إلا بالقوة. قمعهم ضروري، يفرضه الخوف منهم؛ وهو الأساس. نحسن إليهم خوفاً منهم ولرد البلاء عنا، لخفض الشر الكامن فيهم.

يقال هناك عرقية وليس هناك أعراق. العرقية متجذرة في وعينا وفي نفوسهم. الأعراق بمعنى أن أهل لون البشرة الواحدة أو الدين الواحد منتظمون في سلوكيات معينة، متشابهون في ما يفعلون، أصل ينعكس على السلوك اللاحق، هذه كلها أوهام منغرزة في كل منا حتى لتكاد تكون هي وحدها ما يشكل وعينا ويقرر سلوكنا. ينعكس ذلك عليهم، ينعزلون، يحاولون التصرف مثلنا، لكنهم ليسوا أهل السلطة. السلطة تبرر العنف.

العنف من خارج السلطة هو اللاعقلاني. ذكاء هنا، بلاهة هناك. يقاس ذلك على سلم «آي. كيو» (I. Q) ويعتبر تجربة علمية وموضوعية.

الطبيعة قررت أنهم أدنى منا عقلياً. يحتاجون إلى البوليس ليتوازوا معنا. إذا فقد البوليس تهذيبه أحياناً أو في معظم الأحيان، تنشب تظاهرات الاحتجاج. فيديو الهاتف الذكي يفضح كل شيء لحظة وقوعه. نرى اعتداءات البوليس لكن وعينا الذي تربينا عليه هو الغالب في تكوين رأينا.

أزمات النظام العالمي كثيرة، متتابعة. غضب عارم على بيوت السلطة (الاستابلشمنت) في معظم أرجاء العالم. يقول ذلك أرباب اليمين واليسار.

«ميدان التحرير» لحظة من لحظات هذا الغضب العالمي. ربما، لولا أزمة 2008 المالية، لما كان ميدان التحرير والميادين الأخرى.

البورجوازية العليا، الواحد في المئة من مجتمعات العالم، لم تتعلم من التجربة شيئاً. كيف تتعلم وثرواتها تزداد، بينما الأجور حول العالم تتدنى، والهوة في المداخيل والثروات تزداد. خمسون في المئة من سكان العالم لا يملكون شيئاً. أوضاعهم تزداد سوءاً. يغضبون، يحتجون.

ضروري أن يكون احتجاجهم لا عقلانيا أبلهاً. ألم ينشأوا ويتربوا على ذلك؟ كيف يخالفون طبيعتهم وإرادة خالقهم؟ المهم ان لا يتحول الاحتجاج إلى طبقي. هذا يهدد البورجوازية العليا. الأيديولوجيات السائدة هيأت الجو كي تتحول حركات الاحتجاج إلى ما هو عرقي وطائفي وإثني. التعمية وسيلة ناجعة لإخفاء حقيقة النظام وحقيقة الصراع.

ما عاد للصراع الطبقي أدواته؟ غير صحيح أن الطبقة العاملة لم تعد موجودة، أو صارت شبه معدومة. الصحيح أن العالم يستهلك من المنتجات الصناعية أكثر من أي وقت مضى وهناك من يصنعها. لكن الطبقة العاملة الغربية دمّرت بسبب انتقال الصناعات الأساسية إلى شرق آسيا، وبسبب الأتمتة. في آسيا الشرقية ما يكفي من القمع كي تحبس الطبقة العاملة أنفاسها. هي في وضع تجد صعوبة في أن تعي ذاتها وتنظم صفوفها، أو في أن تُوجِد أحزابا لها.

العولمة، أو ما هو في الحقيقة انتقال جزء كبير من الصناعة إلى آسيا، تجعل ممكناً أن تدير بيوت السلطة الصراعات الاجتماعية في بلادها الغربية على أسس تبدو فيها حركات الاحتجاج عنصرية وبلهاء. كل ذلك يحتاج إلى عنف. عنف السلطة «العقلاني» في مواجهة الطبقات الدنيا اللاعقلانية التي يكفي ظهور لون بشرتها للإيحاء بما يجب الإيحاء به.

أليس غريباً أن يتقاتل الناس حول أوهامهم العرقية ولا يطالبون بمصالحهم الطبقية. الأرجح أن ذلك في مصلحة الطبقة التي تدير العالم. وهل نعرف كيف يدار العالم؟