Beirut weather 11.95 ° C
تاريخ النشر February 26, 2019 07:49
A A A
لماذا هذا التناقض الاميركي حول قرار الإنسحاب من سوريا؟
الكاتب: العميد شارل ابي نادر - موقع المرده

لا شك ان الغموض يلف قرار الرئيس الاميركي دونالد ترامب حول الانسحاب من سوريا، فمن غير الواضح كيف ستكون مراحل تنفيذه، وهل تخلَّى عن قرار سحب كامل الوحدات العسكرية من شرق الفرات، كما قرَّرَ بداية؟ وكم عنصر سوف يبقى؟ وما هي اسباب هذا التناقض والغموض حول كيفية تنفيذ الانسحاب؟.
بداية، يمكن القول ان القرار كان متسرعا، وما يؤكد ذلك، الصدمة التي اصابت فريقا كبيرا من ادارته ومن المعنيين داخل او خارج الولايات المتحدة الاميركية، وكانت استقالة وزير دفاعه جيمس ماتيس على خلفية القرار، الاكثر تعبيرا عن هذه الصدمة، والذي كان يعتبر الوزير الاغنى بالخبرة العسكرية في مسرح العمليات الاميركية في الشرق الاوسط والعالم ربما.
الصدمة أصابت ايضا حلفاء واشنطن في المنطقة، الصهاينة اولاً لاسباب تتعلق بخوفهم من تمادي النفوذ الايراني في سوريا، والدول الاقليمية التي طالما راهنت على الوجود الاميركي لتقييد سلطة الحكومة السورية، والاكراد خوفا من تركيا، وطمعا بدعم اميركي لتنفيذ حلم الانفصال.
يُقال ان الرئيس ترامب إتَّخَذ القرار، مباشرة بعد إنهاء مكالمة مع الرئيس التركي، تضمَّنت عبارةً لافتة قالها ترامب لاردوغان : ” سوريا لك ” ، وعلى اساسها إعتبرت انقرة ان شرق الفرات سوف يكون لها، فنقلت وحداتها العسكرية على الحدود، وبدت تحضيراتها وكأن عملية دخولها وضرب منظومة الاكراد هناك، اصبحت بحكم المنتهية.
هذا التهديد التركي لاجتياح شمال سوريا، دفع بالاكراد للبحث عن الحماية باية طريقة، وتلقف الروس والسوريون ذلك، فاقترحوا الحل الانسب وهو تسهيل دخول الدولة السورية والاعتراف بسلطتها كاملة، مع وعد بتحقيق الحد المناسب من المطالب الكردية، شرط عدم تجاوزها لسيادة الدولة السورية، وبدا الموضوع وكأنه قابل للتحقق، وبدأت المفاوضات السورية الجدية بين الدولة وبين اكرادها لتظهير هذا الحل.
هنا دخل الاميركيون على الخط، بالإضافة الى انهم اكتشفوا قدرة الروس على فرملة الدخول التركي وضبطه، من خلال التقارب الثلاثي الروسي الايراني التركي، فكانت المرحلة الاولى من تشتت القرار الاميركي بالانسحاب، وتغيرت المواعيد من ” قريبا جدا جدا ” كما قالها الرئيس ترامب بداية، الى تنسيق الانسحاب وتنفيذه على مراحل وبطريقة تناسب الحلفاء.
لاحقا، وبعد ان ارتفعت اسهم إمكانية تعديل اتفاق أضنة الموقع عام 1999 بين دمشق وانقرة، كحل للدخول السوري الرسمي شرق الفرات، وكمخرج للتواجد التركي المُقيَّد، بعد تعديل بنود الاتفاق بما يناسب الدولتين، تراجع الاميركيون من جديد ، وقرروا ابقاء مجموعة من وحداتهم ، تقدَّر بحوالي 200 عنصر لتنسيق عمليات وحداتهم بين سوريا وخارجها، مع تثبيت البقاء في قاعدة التنف كنقطة ارتكاز على مثلث الحدود العراقية الاردنية السورية.
خلال هذه الفترة، حاول الاميركيون انتزاع موافقة بعض الدول الاوروبية، لابقاء تواجدا عسكريا مناسبا كبديل لوحداتهم في سوريا، بهدف عرقلة اتفاق الحكومة السورية مع الاكراد، ولعرقلة مشروع تعديل اتفاق اضنة واعتماده حلاً للشمال السوري.
كما يبدو ربما اقتنع الاوروبيون بنشر وحدات عسكرية في الشرق السوري، بشرط أن تكون مختلطة وتحت عنوان تحالف غربي، تشترك وحدات اميركية ضمنها، الامر الذي دفع الاميركيون مجدداً لتعديل قرارهم ورفع العدد الباقي من وحداتهم الى حوالي 400 عنصر، تحت مسمى ” حفظ السلام ” في سوريا، وكأنهم نصَّبوا انفسهم بديلا لمجلس الامن ولمنظمة الامم المتحدة.
هذا لناحية المعسكر الغربي، الاميركي – الاوروبي ومخططاته، ولكن يبدو ان المعسكر الروسي السوري الايراني المعني الاساس في الملف، لديه راي آخر، يتعلق بمتابعة التركيز على المفاوضات الروسية التركية حول اتفاق اضنة، وبالعمل على تفعيل المفاوضات بين الدولة السورية وبين اكرادها.
اخيرا ، يبقى الاهم من ذلك كله، ان الدولة السورية لن تتراجع عن تحرير كامل أرضها، بالتفاوض او بالمواجهة العسكرية، وكلام الرئيس الاسد الذي اعتبر اي تواجد غريب غير مشروع وغير حاصل على موافقة الدولة السورية هو احتلال، وسوف تتم مواجهته بكامل الطرق المشروعة والمعروفة عبر التاريخ، هو كلام واضح ومصداقيته يؤكدها مسار المواجهة والانتصار في الحرب الكونية التي شُنَّت على سوريا.