Beirut weather 27.57 ° C
تاريخ النشر May 23, 2019 05:09
A A A
عراضات تعرقل الموازنة صراع التوقيت و”الأبوة” !
الكاتب: النهار

تجاوزت الانطباعات التي تركها “تعطيل” اعلان اقرار الموازنة أمس في نسختها التي كان يفترض ان تكون الاخيرة، الاطار المعلن عنه حكومياً بانه لاعطاء فرصة اضافية لخفض اضافي للعجز، الى دلالات اخرى غير مالية لم تعد خافية على احد. ذلك ان الجلسة الـ17 في سياق جلسات مجلس الوزراء لانجاز الموازنة بدت في الاجواء التي سبقتها وواكبتها والنتائج التي أفضت اليها بمثابة تأكيد ما لا لم تعد ثمة حاجة الى تأكيده وهو انزلاق استحقاق الموازنة الى الصراع السياسي الخفي – العلني على “أبوتها” وتاليا القرار الذي يتحكم بهيكليتها النهائية وهو صراع تمدد الى الشكليات بمعنى التحكم بتوقيت ولادة الموازنة بكل ما يعنيه ذلك من عراضات للقوة السياسية.
وعلى رغم استعانة وزير الاعلام جمال الجراح بكل بلاغته لتبرير الارجاء المفاجئ لانهاء اقرار الموازنة الى جلسة تعقد بعد ظهر غد الجمعة واعطاء الوزراء مهلة 48 ساعة لاعادة درس نقاط جديدة في مسار برر بان من شأنه خفض العجز من 7.6 في المئة الى 7 في المئة، فان ذلك لم يبدد الاجواء المحتقنة والمشدودة التي عقدت في ظلالها جلسة مجلس الوزراء امس بعد اخفاق رئيس الوزراء سعد الحريري في حمل وزيري المال علي حسن خليل والخارجية جبران باسيل على التوافق على انهاء المناقشات في جلسة البارحة واعلان انجاز الموازنة نهائياً. وكان عقد اجتماع وزاري سداسي برئاسة الحريري قبيل الجلسة شارك فيه خليل وباسيل، الا أن هذا الاجتماع لم يتوصل الى أي نتيجة ايجابية اذ تمسك وزير المال باعتبار “الموازنة خلصت” ولا موجب لاي تمديد اضافي للمناقشات واضاعة مزيد من الوقت. وفي المقابل لم يسلم باسيل بنهاية الجلسات والمناقشات ما لم تستكمل المناقشات لعدد من النقاط التي وردت في الورقة التي قدمها قبل أيام ولا سيما منها نحو 12 اقتراحاً قال إنها لم تناقش بعد ومن شأنها ان تحدث مزيدا من الخفوضات في العجز بتوفير مبالغ اضافية للخزينة وضبط الهدر كما اضفاء البعد الاقتصادي الاصلاحي على الموازنة.
لكن مصادر وزارية مطلعة على المناقشات الجارية داخل مجلس الوزراء وخارجه قالت لـ”النهار” ان أي فريق لا يمكنه الاعتراض على مزيد من الجلسات والمناقشات اذا كان هدفها تحقيق مزيد من الخفض للعجز وهو الامر الذي جعل الوزراء جميعا أمس يسلمون بطلب الرئيس الحريري أخذ مهلة اضافية الى ما بعد ظهر الجمعة لدرس الافكار والاقتراحات التي طرحها باسيل ووزراء آخرون سواه. ولفتت المصادر الى ان هذا الجانب لم يحجب حقيقة سلبية تتربص بخلفية التأجيل الجديد لبت الموازنة التي كان مفترضاً ان تنجز أمس وان يعقد الرئيس الحريري ووزير المال مؤتمرا صحافيا لشرح كل ما يتصل بها وبالمؤشرات الايجابية لخفض العجز وكذلك لايضاح كل ما يتعلق بالرواتب والتعويضات وما اثارته من اضرابات واعتصامات واحتجاجات. وأفادت ان الدلالات السلبية للارجاء والاجواء المتوترة التي تحكمت بجلسة مجلس الوزراء أمس ولو من دون مشادات حادة وعنيفة تعود في شكل واضح الى الاجواء الاستفزازية التي أثارها اصرار الوزير باسيل على ان يكون اقرار الموازنة بتوقيته وبعد ادخال مزيد من التعديلات كان يمكن طرحها منذ بدء الجلسات وعدم تركها الى اللحظة الاخيرة التي احرج عبرها رئيس الوزراء والوزراء الآخرين.
وأضافت المصادر ان ما يثير الاستغراب ان هذا النمط اتبع سابقا في استحقاقات عدة منها على سبيل المثال لا الحصر تشكيل الحكومة نفسها وقبلها التوافق على قانون الانتخاب ونماذج أخرى، لكن ما يمكن تبريره في المناورات السياسية لا يصح على استحقاق مالي خطير تقف البلاد باسرها منتظرة نهايته لتبين وجهة الانقاذ المرجو من اقرار موازنة تقشفية بالحد الادنى المتاح والضروري. ولم تخف المصادر أيضاً تساؤلات قالت إنها تملأ الكواليس السياسية عما اذا كانت ثمة اهداف سياسية وراء عرقلة ولادة الموازنة لدوافع تتصل بالصراع على “أبوتها” ولماذا تلزم قوى أساسية في الحكومة بدءا برئيسها جانب المهادنة أو المسايرة الزائدة حيال هذا النهج الذي بدأ يهدد بفتح مواجهة حادة بالاضافة الى تأخير مسار اقرار الموازنة في مجلس الوزراء ومجلس النواب مع التداعيات التي ستنشأ عن ذلك؟